بقلم: رانيا ضيف
لم تُؤتِ القمة العربية التي دعت إليها قطر ثمارها المرجوة والتي انعقدت إثر العدوان الغاشم الذي تعرضت له قطر من قِبل إسرائيل، باستهدافها قادة حماس بعملية جوية على أراضٍ قطرية قبيل دراسة عرض أمريكي لوقف إطلاق النار في غزة بوساطة مصرية قطرية.
وهو عدوان صارخ يتعارض مع كل الأعراف والقوانين الدولية، نظرًا لاختراقها سيادة دولة أخرى، ولتصريحات نتنياهو المتعجرفة والمستفزة بتكرار الأمر مع أي دولة أخرى تستضيف الفصائل الفلسطينية من أجل التفاوض!
وبعد عدم الاهتمام الكافي لإيجاد حلول للدفاع المشترك أو اتباع سياسة تحدّ من طغيان إسرائيل في المنطقة، تجرأت إسرائيل أكثر وقصفت غزة بشكل غير مسبوق، ليرتفع عدد القتلى من المدنيين والأطفال والنساء في الشوارع، وكأننا نعيش في عالم لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم!
الجميع مكتوف الأيدي أمام هذا الجُرم العظيم واللاإنساني في مشهد تراجيدي بائس! وفي ظل هذا المشهد السياسي الهزلي، كان الأعجب خروج بعض الأصوات بدعوات عجيبة تطالب بالاكتفاء بالدبلوماسية ومحاولة كسب صديق من هذا الكيان المجرم!
فنقول: لستم بحاجة إلى عناء التجربة؛ فأصدقاؤه أنفسهم لم يسلموا يومًا من غدره وخيانته. إسرائيل لا تعرف معنى الصداقة، ولا تحفظ عهدًا ولا ميثاقًا، فهي لا تتقن سوى لغة العدوان.
كل مواقفها تضج بالصلف والاستعلاء، بينما تخفي في العمق نفسية هزيلة ضعيفة، تستقوي على الآخرين وتتغذى من انتهاز نقاط ضعفهم. خير مثال على مقولة: “من أمن العقاب أساء الأدب.”
إسرائيل ليست مجرد خصم سياسي أو طرف في نزاع، بل هي عدو مبين، كيان محتل غاصب، يديره مجرمون سفاحون لا يتورعون عن ارتكاب أبشع الجرائم بحق الشعوب. وما تمارسه اليوم ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة، وتمهيد لما تستكمله غدًا من سياسات عدوانية وتوسعية.
أما مصر، فموقفها واضح، مشرّف، حقيقي، وصارم. موقف يستند إلى قوة راسخة وإلى تاريخ ممتد سبعة آلاف عام؛ حيث الحضارة التي علّمت البشرية معنى الدولة والعدل والكرامة. مصر لا تنطق من فراغ، ولا تتحرك من ضعف، بل من جذور ضاربة في عمق الأرض، ووعي متجذّر بدروس التاريخ، وقوة قادرة على ردع المعتدي.
لذا فإن وضوح الموقف المصري ليس مجرد سياسة آنية، بل هو انعكاس لطبيعة دولة تدرك من هو العدو الحقيقي، وتفهم سياسته ونفسيته، وتعلم أن التفريط في الحقوق أو التهاون في مواجهة الباطل خيانة للأرض وللتاريخ وللأجيال القادمة، ومحفّز قوي لاستشراء الشر والعنف وسفك مزيد من الدماء الزكية.
وردا على بعض الأصوات التي ترى أن إسرائيل لم تعادِ مصر! فهل مفهوم العداء لا يُختزل سوى في صورة الحرب العسكرية؟! فالعداء له صور متعددة: حين تعمل على تقويض دور مصر الإقليمي، أو تسعى إلى إغراقها في أزمات اقتصادية خانقة، أو تمسك بخيوط خفية في ملفات حساسة مثل قضية سد النهضة، وحين تطلق التصريحات الكاذبة بأن مصر من يغلق معبر رفح، على عكس الحقيقة، وعندما تدفع بأهل غزة في اتجاه الأراضي المصرية لتُكمل مسلسل التهجير! وحين تنتهك معاهدة السلام بممارسات استفزازية لمصر! فإنها تُظهر وجهًا آخر من وجوه عدائها الجبان.
هذا الكيان الغادر لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يحاول تطويق خصومه وإضعافهم في شتى المجالات ليضمن الغلبة. الدولة التي قامت على الاحتلال والاستيطان ونزع الأرض من أهلها دولة ظالمة، ولن تستمر دولة الظلم أبدًا، فهذا قانون كوني وضعه رب هذا الكون.
إن معركتنا مع هذا الكيان ليست خيارًا بل قدرًا فرضه علينا التاريخ وموقعنا الجغرافي ومكانة مصر ، وهي معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، فمصر لا تسعى للحرب إلا إذا اضطرت اضطرارا إليها.
فإسرائيل لا تبحث عن سلام، بل عن استسلام، ولا تسعى إلى التعايش، بل إلى ابتلاع ما تبقى من أرض وحقوق وكرامة.
ولذلك كان الأمل في وحدة الصف العربي والإسلامي، وتماسك الجبهة الداخلية لكل دولة، هما السبيل الوحيد لردع هذا العدو الغادر.
ولْيَعلم العالم أجمع أن الدماء الزكية التي تُسفك اليوم لن تذهب هدرًا، وأن الشعوب قد تصبر لكنها لا تنسى، وقد تُمهل لكنها لا تُهمل. فإسرائيل عدو لا يعرف السلام، وستظل كذلك حتى تنكسر شوكتها أمام إرادة الشعوب، ويُكتب للحق أن ينتصر وللظلم أن يزول.
