قصة قصيرة
د.نادي شلقامي
في صعيد مصر، حيث تضرب جذور الحكمة عميقاً في تراب الأرض الطيبة، وحيث يصبح المثل الشعبي دستوراً للحياة، كانت قرية “كوم بتيجة” على موعد مع حكاية لا تروي قصة حب وغيرة فحسب، بل تختبر صدق الإيمان بالقدر ونصيب المرء. هناك، عاشت فاطمة وعثمان، زوجان كانت حياتهما هادئة لولا الهمس الذي بدأ يتسلل كالنيل ليلاً، مهدداً بقلب الموازين. حينما وجدت فاطمة نفسها في صراع مع الشك والخوف من فقدان زوجها، لم تجد سبيلاً للنجاة إلا بالاستماع إلى الحكمة القديمة التي تقول: “حطي جوزك فوق السطوح ولو ليكي نصيب فيه مش هيروح”.
في قلب قرية “كوم بتيجة” العريقة، على ضفاف النيل في صعيد مصر، عاشت “فاطمة” الشابة التي اشتهرت بجمالها وحكمتها. تزوجت من “عثمان” الرجل الطيب، لكنه كان ضعيف الشخصية وقليل الحيلة، وكان يثير حوله الكثير من الكلام والأقاويل، خاصة فيما يتعلق بعلاقته بـ “نوارة” الأرملة الثرية التي كانت تحوم حوله، والتي كانت تُعرف بـ “المُفتنة” في القرية.
في البداية، شعرت فاطمة بالغيرة والألم، وبدأت تحاول تقييد حركات عثمان ومنعه من الذهاب إلى “المضيفة” أو “القهوة” خوفًا من لقاء نوارة أو سماع أي كلام يثير الشك. أصبحت حياتهما مليئة بالمشاحنات والشكوك، حتى أنها فكرت في الطلاق.
ذهبت فاطمة لتستشير “أمينة”، المرأة العجوز الحكيمة في القرية، التي كانت بمثابة خزانة الأسرار ومستودع الخبرة.
جلست فاطمة باكية تشتكي حالها: “يا خالة أمينة، النار قايدة في قلبي. خايفة عثمان يروح مني، والكلام كتر، ومش عارفة أعمل إيه عشان أحبسه عندي وأحميه من شر نوارة ومن كلام الناس.”
ابتسمت أمينة بهدوء، وأمسكت بيد فاطمة وقالت بصوتها الصعيدي الرخيم:
“يا بنتي، اسمعيني زين، مثلنا يقول: حطي جوزك فوق السطوح ولو ليكي نصيب فيه مش هيروح.”
دهشت فاطمة من المثل وقالت: “كيف يا خالة؟ أتركه يروح ويجي براحته بعد ما عرفت؟ ده معناه إني بسلمه بإيدي!”
أجابت أمينة: “المعنى مش في السطوح اللي فوق الدار يا فاطمة. المعنى في القلب والرضا. لو قيدتيه وسجنتيه، قلبه هو اللي هيسجنك معاه وهيبقى عايز يطير. ارمي حبلك على الغارب، عودي لبيتك وكوني زوجة عثمان اللي عرفها وحبها، بالحب والاهتمام مش بالشك واللوم. ادي له الثقة، وخلي قلبه هو اللي يختار مكان راحته. لو نصيبك معاه مكتوب من الله، عمر ما نوارة ولا مائة غيرها يقدروا ياخدوه.”
عادت فاطمة إلى بيتها وقد تغيرت نظرتها. كفت عن ملاحقة عثمان أو سؤاله عن تفاصيل يومه. بدأت تهتم بنفسها وبيتها وبأبنائها، وتستقبله بابتسامة وكلمة طيبة.
استغرب عثمان هذا التحول. شعر بالحرية، لكن الغريب أنه بدأ يشعر أيضًا بالتقصير تجاه زوجته التي أصبحت مشرقة وراضية. عندما كان يذهب إلى المضيفة، لم يعد يجد متعة في الكلام الذي كان يُقال، وشعر أن نظرة نوارة أصبحت تثير فيه النفور بدلاً من الاهتمام. لم يعد يجد لذة في الهروب من بيته.
في إحدى الليالي، عاد عثمان مبكرًا، جلس بجوار فاطمة وقال لها: “أنا آسف يا فاطمة. طول عمري بأدور على الراحة برا البيت، ونسيت إن الراحة الحقيقية كانت جنبك، بس أنا اللي عمري ما كنت بستاهلك. مسيرك عندي بالدنيا.”
فهمت فاطمة وقتها أن حكمة “أمينة” كانت صحيحة. القفص لا يحفظ الطائر إن لم يكن بيته، وأن النصيب والحب الحقيقي لا يقيده سقف أو جدران. عثمان لم “يرحل” رغم “حريته”، لأن مكانه ونصيبه كان مكتوبًا في قلب فاطمة وبيتهما.
وهكذا، اكتملت الحكمة في بيت فاطمة وعثمان. لم يكن المثل الشعبي “حطي جوزك فوق السطوح ولو ليكي نصيب فيه مش هيروح” دعوة للتهور أو الغفلة، بل كان درساً عميقاً في فلسفة الحياة الصعيدية؛ فالحب الحقيقي والنصيب المكتوب لا تقيدهما الأسوار أو القيود. فاطمة لم “تضع” عثمان فوق السطوح بالمعنى الحرفي، بل أطلقته من قفص الشك والغيرة، ليعود إليها بقلب مُختار وراضٍ. تعلمت أن اليقين بالقدر هو السند الحقيقي، وأن محبة الزوج لا تُشترى بالخوف واللوم، بل تُكتسب بالثقة والسكينة التي يجدها في بيته. وظلت حكمة “أمينة” تتردد في القرية كشاهد على أن ما كتبه الله لك، لن يذهب لغيرك مهما كثرت الموانع أو المغريات.
