كتبت: مريم أحمد
ولِد الفيلسوف المصري أفلوطين في صعيد مصر، وتحديدًا بمدينة ليكوبوليس (المنيا حاليًا)، عام 204 أو 205 ميلادية – وفقًا لاختلاف المصادر. نشأ في بيئة بعيدة عن أجواء الفلسفة، وتعلّم القراءة والكتابة في سن متأخرة، قبل أن يشد الرحال إلى الإسكندرية ليتتلمذ على يد الفيلسوف الشهير أمونيوس ساكاس.
قضى أفلوطين أحد عشر عامًا في الإسكندرية، قبل أن يلتحق بحملة عسكرية قادها الإمبراطور جورديان الثالث ضد الفرس، بهدف التعرّف على فلسفات وديانات الشرق، لكن الحملة انتهت بالفشل إثر اغتيال الإمبراطور.
بعد ذلك، توجّه أفلوطين إلى أنطاكية ومنها إلى روما، حيث بدأ مسيرته في شرح الفلسفة وتأسيس مدرسته الفكرية. ربطته علاقة قوية بالإمبراطور جالينوس، حتى إنه تقدّم بمشروع لإنشاء مدينة مثالية، على غرار “المدينة الفاضلة” التي وصفها أفلاطون، تقوم على حكم العلماء والمفكرين، غير أن المشروع قوبل بالرفض.
يُعتبر أفلوطين مؤسس الأفلاطونية المحدثة، وهو المصطلح الذي أطلقه عليه علماء ألمان لتمييزه عن أفلاطون اليوناني. تأخر في الكتابة بسبب ضعف بصره وصعوبة قراءة خطه، لكن تلميذه فرفوريوس جمع محاضراته في كتاب شهير حمل عنوان التاسوعات، قُسم إلى ستة أقسام، يضم كل قسم تسع رسائل، لتكون الحصيلة 54 مقالة، تناولت قضايا الإنسان، والأخلاق، والعالم المحسوس، والعناية الإلهية، والنفس، والعقل، وأخيرًا “الواحد” أو “الخير”.
امتزجت فلسفة أفلوطين بالتأمل الروحي، إذ كان يرى أن الله هو “الواحد” أو “الخير المطلق”. وقد أثّرت أفكاره بعمق في الفلسفة المسيحية والإسلامية، وظهر أثره جليًا في كتابات الفارابي والغزالي، خاصة في نظرية الفيض.
ومن أشهر أقواله:
“ارجع إلى نفسك وتأمل، واصنع كما يصنع النحات: يقطع هنا ويهذب هناك، حتى ترى الطيبة الكاملة مستقرة في الحرم الطاهر.”
رحل أفلوطين عام 270 ميلادية عن عمر يناهز 66 عامًا، تاركًا إرثًا فكريًا ألهم الفلاسفة والمفكرين لقرون طويلة، ولا يزال تأثيره حاضرًا حتى اليوم.
