دولت فاروق
في تاريخ المخابرات المصرية، تظل سيرة أحمد محمد عبد الرحمن الهوان، الشهير بـ جمعة الشوان، واحدة من أكثر القصص البطولية إثارة وإعجازًا.
هو الرجل الذي تمكن من اختراق جهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد” لمدة أحد عشر عامًا كاملة، ليحول نفسه من فخٍّ نصب له إلى سلاحٍ استخباراتي ضارب في يد وطنه.
ولد الهوان عام 1939 في مدينة السويس، لأسرة متوسطة الدخل تتكون من سبعة أبناء، وكان ترتيبه الخامس بينهم. عمل منذ صغره مع والده في تجارة المراكب البحرية، وهناك اختلط بالسياح وتعلم تسع لغات أجنبية بدرجات متفاوتة، أبرزها الإنجليزية والفرنسية.
من تاجر شاب إلى عميل مزدوج
في سن التاسعة عشرة، أسس الهوان شركة صغيرة لخدمات السياحة، لكنها أُممت لاحقًا، فعُيّن في إحدى الشركات الحكومية براتب لم يتجاوز 49 جنيهًا، ما دفعه للاستقالة والبحث عن رزقٍ جديد من خلال تنظيم رحلات لأطقم السفن الأجنبية وبيع الهدايا والمواد الغذائية.
لكن نكسة يونيو 1967 غيّرت مسار حياته بالكامل. فمع قصف الطيران الإسرائيلي للسويس، فقدت زوجته بصرها، واضطرت أسرته للنزوح إلى القاهرة. وهناك، وبين صعوبات المعيشة وضيق ذات اليد، قرر الهوان السفر إلى اليونان عام 1968 لاسترداد دينٍ قديم من أحد أصدقائه اليونانيين، إلا أن القدر كان يخبئ له مهمة أكبر بكثير من مجرد تحصيل المال.
طريق الخداع والاستخبارات
في اليونان، التقى الهوان بعدد من رجال الموساد المتخفين وراء واجهة شركة للحديد والصلب، وعرضوا عليه إدارة فرع للشركة في القاهرة مقابل 185 ألف جنيه — مبلغ ضخم في ذلك الوقت. ومع مرور الوقت، بدأ يشك في أمرهم، ليقرر العودة إلى مصر والتواصل مع المخابرات المصرية.
وبعد عدة محاولات، التقى اللواء عبد السلام المحجوب، الذي أوضح له طبيعة الجهة التي تتعامل معه، وطلب منه الاستمرار في العمل مع الإسرائيليين لكن تحت إشراف المخابرات المصرية، ليبدأ مشوار أخطر عملية تجسس مزدوجة في تاريخ المنطقة.
من بيريز إلى “البطة الثمينة”
خلال سنوات عمله مع الموساد، استطاع الهوان تمرير معلومات مضللة عن قدرات مصر العسكرية، وتزويد المخابرات المصرية بأحدث التقنيات التي حصل عليها من الإسرائيليين. ومن أبرز تلك الأجهزة، جهاز تنصت متطور أطلق عليه اسم “البطة الثمينة”، استخدمته المخابرات المصرية لبث رسائل خادعة لإسرائيل قبيل حرب أكتوبر 1973.
وفي واحدة من أغرب الوقائع، عندما حاول الموساد تهريب جهاز تجسس جديد داخل فرشاة أحذية، اكتشف شمعون بيريز – وكان وقتها مشرفًا على العملية – أن الحذاء جديد، فأمسكه بيده وقام بمسحه بنفسه ليبدو مستعملًا، في مشهد يختصر ذكاء المصريين في تحويل الأعداء إلى أدوات لخدمتهم دون أن يشعروا.
نهاية المهمة وتكريم البطل
بعد أكثر من 11 عامًا من العمل البطولي خلف خطوط العدو، أنهت المخابرات المصرية مهمة أحمد الهوان عام 1977، وطلبت منه أن يرسل للموساد رسالة الوداع التاريخية:
“شكرًا لحسن تعاونكم معنا طوال 11 عامًا عبر رجلنا جمعة الشوان.”
ساهم الهوان خلال مسيرته في كشف عدد من الجواسيس أخطرهم انشراح موسى وإبراهيم شاهين، وسلّم كل ما حصل عليه من أموال الموساد للدولة المصرية، مؤكدًا أن شرف الوطن لا يُقدّر بثمن.
تقاعد الهوان لاحقًا بعد إصابته في قدمه، وعاش حياة بسيطة إلى أن وافته المنية في 1 نوفمبر 2011 عن عمر ناهز 74 عامًا، بعد صراع مع المرض.
إرث خالد في ذاكرة الوطن
خلّد الفنان عادل إمام قصة بطولته في المسلسل الشهير دموع في عيون وقحة، لتبقى حكاية أحمد الهوان شاهدًا على أن الولاء لمصر ليس شعارًا، بل فعلًا يُكتب في سجلات التاريخ بمداد الشجاعة والإخلاص.
البطل المصري الذي مسح له شمعون بيريز حذاءه بنفسه
561
المقالة السابقة
