بقلم د.نادي شلقامي
لطالما اعتُبرت بيئة العمل ساحة للتنافس المهني، لكنها غالبًا ما تكون مرآة تعكس أعمق التحيزات النفسية والاجتماعية للفرد. يتناول هذا التقرير ظاهرة “المرأة العنصرية في بيئة العمل العصرية”، لا بوصفها مجرد خرق للوائح، بل كظاهرة سلوكية معقدة ومتجذرة في العوامل النفسية والتنشئة.
إن العنصرية، عندما تُرتكب من قبل النساء في سياق مهني، نادرًا ما تكون علنية وفجة. بدلاً من ذلك، تتخفى في ثنايا التحيز الضمني (Implicit Bias) أو تُستخدم كآلية دفاعية للتعويض عن الشعور بالنقص أو التهديد التصوري للمكانة الوظيفية. هي محاولة غير واعية، أو ربما واعية جزئيًا، لفرض السيطرة أو التفوق الوهمي على الآخرين بناءً على عوامل غير كفاءة كالعرق أو الخلفية.
هذا التقرير يتعمق في التشريح النفسي للمرأة التي تُمارس التمييز: ما هي الدوافع الكامنة وراء سعيها للإقصاء؟ وكيف يمكن ملاحظة هذه السلوكيات الدقيقة، مثل التعليقات اللفظية الخفية (Microaggressions)، التي تُسمم الأجواء دون ترك دليل واضح؟ إن الفهم العميق لهذه الجذور السلوكية هو الخطوة الأولى نحو وضع استراتيجيات علاجية فعالة ومستدامة، تضمن بناء ثقافة مؤسسية تقوم على الاحترام لا على الهيمنة والتحيز.
أولا…. تعريف المرأة العنصرية في بيئة العمل
المرأة العنصرية في سياق العمل هي الموظفة أو المديرة التي تُظهر سلوكًا أو تتخذ قرارات مهنية مبنية على تحيز أو اعتقاد بتفوق جماعة معينة (تنتمي إليها) على جماعات أخرى (لا تنتمي إليها)، مما يؤدي إلى:
1- التمييز في المعاملة: حجب الفرص، أو إعطاء تقييمات أداء غير عادلة، أو توزيع مهام عمل غير متكافئ بناءً على العرق أو الأصل أو الخلفية.
2- التحيز الضمني (Implicit Bias): وهو تحيز غير واعي يؤثر على الأحكام والقرارات، مثل تفضيل مرشحة بيضاء على مرشحة سمراء بنفس الكفاءة دون إدراك سبب التفضيل الحقيقي.
3- خلق بيئة معادية: استخدام لغة مسيئة، أو نكت عنصرية، أو إقصاء اجتماعي للموظفين من خلفيات مختلفة.
ثانيا…. أسباب ودوافع عنصريتها..
تتعدد الأسباب الكامنة وراء السلوك العنصري في بيئة العمل وتعود إلى عوامل شخصية واجتماعية ونفسية، وتشمل:
1- التربية والخلفية الاجتماعية: اكتساب وترسيخ القوالب النمطية والمعتقدات العنصرية السلبية التي تُنقل من الأسرة والمحيط الاجتماعي خلال مراحل التنشئة المبكرة، مما يؤثر على نظرة الفرد للآخرين.
2- التهديد التصوري (Perceived Threat): الشعور بأن زملاء العمل من خلفيات مختلفة يمثلون منافسة غير عادلة أو تهديدًا فعليًا لمكانتها، أو فرصها، أو أمنها الوظيفي، مما يدفعها لمحاولة إقصائهم أو التقليل من شأنهم.
3- الجهل ونقص الوعي الثقافي: عدم فهم واحترام الفروقات الثقافية والدينية والعرقية، والاعتماد على الصور النمطية السلبية والشائعات بدلاً من المعرفة الحقيقية والتفاعل الإيجابي.
4- العقدة النفسية أو الشعور بالنقص: محاولة تعويض ضعف أو نقص شخصي تشعر به، عبر الشعور بالتفوق الوهمي على الآخرين بناءً على عامل غير مهني كاللون أو الأصل، كآلية دفاع نفسية.
5- ديناميكيات القوة والهيمنة: استخدام المركز الوظيفي، خاصة إذا كانت قيادية، لفرض التفوق الجماعي أو إثبات السيطرة على الأقليات أو الموظفين من خلفيات مختلفة، كأداة للهيمنة الإدارية.
ثالثا… كيف نكتشف ونرصد عنصريتها؟
(مؤشرات الاكتشاف)
عادة ما تتجلى العنصرية في بيئة العمل عبر أنماط سلوكية يمكن ملاحظتها:
1- توزيع العمل والفرص:
ملاحظة تهميش أو استبعاد متعمد لبعض الموظفين من مشاريع هامة أو اجتماعات أو تدريب، وتكليفهم بمهام مملة أو أقل قيمة بشكل ثابت بناءً على خلفيتهم.
2- لغة الجسد والتعامل الاجتماعي:
استخدام لغة جسد سلبية (مثل التجاهل، أو الابتسامة المصطنعة، أو عدم التواصل البصري) أو تغيير نبرة الصوت عند التحدث مع زملاء من خلفيات معينة، أو الإقصاء الاجتماعي لهم في أوقات الاستراحة.
3- التعليقات اللفظية الدقيقة (Microaggressions): وهي إهانات يومية خفية، متعمدة أو غير متعمدة، توجه للأفراد من الأقليات. أمثلة: “أنتِ تتحدثين العربية بطلاقة مدهشة!”، أو “من أي بلد أنتِ في الأصل؟”، أو التشكيك الدائم في كفاءة شخص بناءً على مظهره.
4- عدم المساواة في التقييمات والعقوبات: وجود نمط واضح لتقييم أداء منخفض أو توجيه عقوبات تأديبية بشكل متكرر وغير مبرر بشكل كافٍ تجاه مجموعة محددة من الموظفين مقارنة بغيرهم.
رابعا… كيف نحافظ على بيئة عمل عصرية ومحترمة من عنصريتها؟
يتطلب الحفاظ على بيئة عمل محترمة تطبيق نهج شامل يجمع بين السياسات الصارمة والوعي المستمر:
1- وضع سياسات واضحة لمكافحة التمييز: صياغة دليل إجرائي شامل يحدد بوضوح أن جميع أشكال العنصرية والتمييز والمضايقات ممنوعة تمامًا، ويجب أن يشمل ذلك تعريفات واضحة ونتائج فورية وشفافة للانتهاكات.
2- إنشاء آليات إبلاغ آمنة وسرية: توفير قنوات متعددة وموثوقة للإبلاغ عن السلوكيات العنصرية دون خوف من الانتقام، وضمان التحقيق السريع والحيادي في جميع الشكاوى.
3- التدريب الإلزامي على التنوع والشمول (D&I): تنظيم ورش عمل منتظمة وإلزامية لجميع الموظفين (بما في ذلك الإدارة العليا) للتركيز على التحيز الضمني، والذكاء الثقافي، وكيفية التعامل مع الـ Microaggressions.
4- تعزيز التنوع في التوظيف والقيادة: العمل على تحقيق تمثيل حقيقي ومتوازن لمختلف الخلفيات في جميع المستويات الوظيفية، فالقيادات المتنوعة تعزز ثقافة الشمول.
5- المحاسبة والشفافية: تطبيق العقوبات بشكل عادل ومتسق بغض النظر عن منصب الفاعل، وإظهار التزام المؤسسة بالمساءلة.
خامسا…. كيف تتخلص منها..
(التعامل مع السلوك العنصري)؟
التعامل مع السلوك العنصري يتطلب خطوات مدروسة وحازمة من قبل الضحايا، والشهود، والمؤسسة على حد سواء:
أ. دور الضحية …
(الشخص المستهدف بالسلوك العنصري):
1-التوثيق الفوري والدقيق:
سجل تفاصيل الحادثة فورًا، بما في ذلك التاريخ، والوقت، والمكان، والأقوال المحددة أو الأفعال التي حدثت، وأي شهود كانوا حاضرين.
2- التعبير المباشر (إن أمكن):
إذا كنت تشعر بالأمان والراحة، يمكنك التعبير بهدوء وحزم عن رفضك للسلوك، باستخدام عبارات مثل: “أرجو ألا تقولي ذلك مرة أخرى” أو “هذا التعليق غير مقبول في بيئة العمل”.
3- الإبلاغ الرسمي للجهة المختصة: توجه إلى قسم الموارد البشرية (HR) أو المدير المباشر أو لجنة الأخلاقيات في المؤسسة لتقديم شكوى رسمية ومفصلة مدعومة بالتوثيق الذي جمعته.
ب. دور الشاهد (Bystander –
( الشخص الذي يرى السلوك):
1- التدخل الآمن (إن أمكن): إذا كان التدخل لا يعرضك للخطر، حاول إيقاف السلوك العنصري بشكل مباشر أو صرف الانتباه عن الضحية بتغيير الموضوع.
2- توفير الدعم للضحية:
تواصل مع الزميل المتضرر بشكل خاص، واسأله عن شعوره، وعرض تقديم شهادتك لدعمه في حال قرر تقديم شكوى رسمية.
3- الإبلاغ المسؤول: الإبلاغ عن الحادثة رسميًا للجهات المختصة، حيث أن السكوت عن السلوك العنصري يُعد موافقة ضمنية على استمراره.
ج. دور المؤسسة (الإجراءات الرسمية):
1- التحقيق الفوري والحيادي: إجراء تحقيق شامل ومحايد في الشكوى المقدمة، وجمع الأدلة وشهادات الشهود بسرعة.
2- تطبيق العقوبات المنصوص عليها:
تطبيق العقوبات بشكل عادل ومتسق بغض النظر عن منصب الشخص العنصري، وفقًا للائحة السلوك المعتمدة (قد تشمل الإنذار، النقل، أو الفصل من العمل).
3- تقديم الدعم للضحية: توفير الدعم اللازم للضحية، مثل الاستشارة النفسية أو تعديل بيئة العمل لضمان سلامته وحمايته من أي انتقام محتمل.
إن ظاهرة المرأة العنصرية في بيئة العمل، على الرغم من كونها قد تبدو فردية في مظهرها، إلا أنها انعكاس لتحديات هيكلية وثقافية أوسع. لا يمكن لبيئات العمل العصرية أن تزدهر وتحقق أقصى إنتاجيتها دون أن تكون أماكن آمنة ومحترمة للجميع. يتطلب القضاء على هذه الظاهرة يقظة مستمرة، وتطبيقًا صارمًا للسياسات العادلة، واستثمارًا في ثقافة التنوع والشمول. من خلال التزام الجميع بتعزيز الاحترام المتبادل والمحاسبة الفعالة، يمكننا ضمان أن تكون بيئات العمل المستقبلية مجردة من أي شكل من أشكال التمييز، مما يعود بالنفع على الأفراد والمؤسسات والمجتمع ككل.
