بقلم : أحمد رشدى
قد يظنّ الإنسان أنه قريب من الله، وأن أعماله الصالحة قد جعلته في منزلةٍ عالية؛ فقد تصدّق على بعض الفقراء، وساعد عجوزًا في عبور الطريق، وسافر إلى العمرة والحج مرارًا، وصام النوافل، وأخرج الزكاة، وأفطر بعض الصائمين في شهر رمضان. فيجلس مطمئنًا مبتسمًا، يحدّث نفسه بأن له مكانًا رفيعًا في الجنة.
ولكن دعني أصحّح لك مفهومًا مهمًا يا صديقي، ولنعد معًا إلى مبدأ محاسبة النفس الذي تحدثنا عنه من قبل.
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا مع أصحابه يومًا، فسألهم كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:
«أتدرون ما المفلس؟»
قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال صلى الله عليه وسلم:
«إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار» (رواه مسلم).
هنا تظهر أهمية مراقبة الإنسان لأفعاله ونواياه ودوافعه، وإصلاح النفس وترك كل ما نهى الله عنه من منكرات؛ وعلى رأسها الظلم وأكل أموال الناس بغير حق.
فالظلم جريمة عظيمة، يلعن الله أهلها ويطردهم من رحمته، كما قال سبحانه:
{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} (الأعراف: 44).
ويتوعّد الله عز وجل سارقي أموال اليتامى بأشد الوعيد، فيقول سبحانه:
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (النساء: 10).
وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»
ويقول الله تعالى في الحديث القدسي:
«يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا».
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم».
وكان معاوية رضي الله عنه يقول:
«إني لأستحي أن أظلم من لا يجد عليَّ ناصرًا إلا الله».
وأختم يا صديقي بأن باب رحمة الله لا يُغلق، وأن عفوه سبحانه يسبق غضبه، وقد فتح لعباده باب التوبة بلا حد ولا قيد،
فقال تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
(الزمر: 53).
فاستقم كما أُمرت يا صديقي…
يرحمني ويرحمكم الله…
