بقلم : أحمد المسلماني
لم يعرف أحد متى بدأ الرجل يزرع ألوانه في الدنيا ولا كيف اكتشف تلك الطريقة الغريبة في النظر إلى الأشياء كانوا يرونه كل مغرب جالسًا عند عتبة بيته نصف مبتسم نصف غائب كأنه يستقبل رسالة لا يسمعها غيره وحين يدخل غرفته الضيقة كان العالم كله ينطفئ خارج الجدران ويشتعل داخل اللوحة
الغرفة كانت أشبه بمخبأ لسر قديم رائحة زيت كتان ثقيل غبار عالق في الضوء وخيوط شمس تنكسر على وجوه مرسومة بلا ملامح لوحات تشبه الأحلام التي نستيقظ منها بلا تفسير سماء تتسع بلا حدود أنهار تنبع من لا مكان عيون تلمع كأنها تراقبك لا العكس
في عصر من العصور ظهر رجل غريب عند الباب كان يمشي بتردد واضح كأن الأرض غير معتادة عليه وقف ينظر إلى حسّانين نظرة من يبحث عن اسم نسيه وقال بصوت متقطع
يقولون إنك ترسم ما لا يرى
لم يجب حسّانين فقط أشار إليه بالدخول وكأن الأمر لا يستحق كلامًا الغريب وقف وسط الغرفة مذهولًا كأن الهواء أصبح أثقل اللوحات كانت تتحرك بنبض خافت ألوان تقترب من بعضها كأنها تتحدث ضوء خفيف يهرب من زاوية إلى أخرى وكأن اللوحة تختار ما تريد أن تكشفه
اقترب الغريب من لوحة كبيرة في الركن لوحة بلا شكل واضح مجرد تموجات وضوء يختبئ في القلب وألوان كأنها تطفو فوق سطح الماء مع ذلك كان هناك شيء يخاطبه شيء أقرب لصوت داخلي لا يعرف مصدره فسأل
ما الذي أردته هنا
وقف حسّانين بجواره كل هدوئه القديم حاضرًا في عينيه ونظر إلى اللوحة كما ينظر إنسان إلى اعتراف لا يريد قوله ثم قال
الوضوح للراغبين في الراحة أما الجمال فهو ما يربكك ما يجعلك تبحث ولا تصل لأن في المسافة بين اللون واللون يمر الخالق ويترك أثره
كانت الكلمات تخرج مثل تنفّس عميق كأنها لا تنتمي للدنيا شعر الغريب برجفة باردة تمر في ظهره لم يفهم كيف ولا لماذا لكنه شعر أن اللوحة تقوده إلى باب غير مرئي باب يفتح إلى مساحة أكبر من إدراكه
وحين قرر المغادرة استدار فوجد حسّانين ينظر إليه بعمق غريب وقال
إن أردت أن ترى الله فلا تنظر للسماء ولا تبحث عن المعجزات انظر في ظل صغير على حافة اللون في الرعشة التي تصنعها يد لا تعرف لماذا ارتجفت هناك يسكن الأثر وفي الأثر يكمن الحضور
خرج الغريب من الغرفة كأنه خرج من حلم طويل الهواء في الخارج صار مختلفًا ثقيلًا وخفيفًا في الوقت نفسه لم يعرف هل أصبح أقرب للحقيقة أم أبعد لكنه شعر أنه لم يعد الإنسان نفسه
أما حسّانين فعاد إلى لوحته جلس أمامها قليلًا ثم رفع الفرشاة ووضع نقطة ضوء صغيرة في الركن الأعلى كأنه يختم صلاة معلقة في الهواء ثم تمتم
الذي نبحث عنه مر من هنا
أسند رأسه إلى الجدار وأغمض عينيه كأنه يعود إلى سكون قديم وفي الفجر حين دخل أول خيط ضوء إلى الغرفة توقف عند تلك النقطة الصغيرة فتألقت كأنها تبتسم
كان ذلك آخر ما صنعته يد حسّانين
ومنذ ذلك اليوم ظل بيته مغلقًا لكن كل من مر أمامه أقسم أن خلف الجدار ضوءًا ضعيفًا يلمع كأنه ما زال يبحث عن حضوره في الأثر الذي تركه بين اللون واللون
