بقلم : جمال حشاد
يُعد أبناء الوطن العاملون في الخارج ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني، فهم سفراء لبلادهم في مختلف دول العالم، ويمثلون مصدرًا مهمًا للدخل القومي من خلال تحويلاتهم المالية وجهودهم في الارتقاء بالسمعة الوطنية. ورغم ما يقدمه هؤلاء العاملون من عطاء مستمر، إلا أنهم يواجهون تحديات عديدة تتطلب دعمًا حقيقيًا وفعّالًا من الدولة ومؤسساتها المختلفة، وعلى رأسها مجلس الشعب وأعضاؤه باعتبارهم ممثلين لإرادة الشعب والمدافعين عن حقوق أبنائه.
إن مسؤولية أعضاء مجلس الشعب تجاه العاملين في الخارج ليست خيارًا أو عملًا ثانويًا، بل هي التزام وطني ودستوري نابع من مبدأ المواطنة الكاملة، إذ لا يجب أن يشعر العامل بالخارج أنه بعيد عن وطنه أو أن حقوقه مهدرة. فهذه الفئة كثيرًا ما تتعرض لمشكلات في أماكن عملها أو بسبب قوانين الهجرة أو الإجراءات الإدارية، فضلًا عن ما يعانيه ذووهم في الداخل من صعوبات متعلقة بالإجراءات الحكومية أو غياب الدعم القانوني والاجتماعي.
وتبرز أهمية الدور البرلماني في هذا الملف من خلال عدة محاور أساسية؛ أولها العمل التشريعي الذي يضمن توفير حماية قانونية للعاملين بالخارج، سواء عبر سنّ قوانين جديدة أو تعديل قوانين قائمة تكفل لهم حقوقهم في العمل والمعاملة الكريمة وتوفير الخدمات القنصلية الملائمة. كما يشمل ذلك وضع آليات لمتابعة قضايا العمالة المصرية في الخارج وتشكيل لجان خاصة داخل المجلس تكون مهمتها الأساسية الاتصال المستمر بالجاليات ومتابعة احتياجاتهم.
أما المحور الثاني فهو الدور الرقابي لمجلس الشعب على أجهزة الدولة ذات الصلة، مثل وزارة الخارجية ووزارة الهجرة والسفارات والقنصليات. إذ يجب على النائب البرلماني التأكد من أن تلك الجهات تقوم بواجبها بكفاءة وتقدم الدعم المطلوب للعاملين وأسرهم، وألا تتهاون في صور الإهمال التي قد تؤدي إلى ضياع حقوق المواطنين في الخارج. الرقابة هنا ليست انتقادًا بل هي تصويب للمسار، لتظل مؤسسات الدولة على مستوى التحديات.
المحور الثالث يتمثل في التواصل المباشر بين النواب والعاملين بالخارج وذويهم. فالنائب الناجح هو الذي ينزل إلى أرض الواقع ويتفقد هموم الشعب دون وسائط. يمكن لأعضاء مجلس الشعب تنظيم لقاءات دورية مع أسر المغتربين في الداخل للاستماع إلى مشكلاتهم، وربطهم بالجهات المختصة لحلها. كما ينبغي التواصل مع ممثلي الجاليات في الخارج لمعرفة أبرز القضايا التي تواجههم، مثل مشاكل الإقامات، وأجور العمل، والرعاية الصحية، وقضايا التعليم لأبناء العاملين.
ولا يقل المحور الاجتماعي أهمية عن غيره؛ فوجود ربّ الأسرة خارج البلاد فترة طويلة يخلّف آثارًا نفسية واجتماعية على أفراد الأسرة، وخاصة الأبناء. وهنا يظهر الدور الإنساني للنائب باعتباره قادرًا على رعاية هذه الأسر وتقديم المبادرات التي تدعم استقرارها، مثل تسهيل إجراءات التعليم وتوفير الدعم القانوني والمادي في الأزمات، وضمان أن هذه الأسر تتمتع بكامل حقوقها داخل المجتمع.
كما يجب التأكيد على ضرورة تبني النواب سياسات تعزز الربط بين العاملين بالخارج ووطنهم الأم، سواء عبر تشجيعهم على الاستثمار في المشاريع الوطنية أو المشاركة في خطط التنمية من خلال برامج واضحة تستثمر خبراتهم المهنية والعلمية، فهم يمتلكون خبرات دولية يمكن أن تكون نافعة للوطن إذا وُضعت في مسارها الصحيح.
إن الدولة التي تقدّر أبناءها في الخارج هي دولة تضمن لنفسها قوة اقتصادية ومكانة دولية. والعكس صحيح؛ فالتقصير تجاههم يؤدي إلى شعورهم بعدم الانتماء ويدفعهم للبحث عن بدائل قد تُضعف علاقتهم ببلادهم. لذلك فإن التزام أعضاء مجلس الشعب بملف العمالة بالخارج ليس فقط دعمًا للمواطنين بل استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الوطن.
إن العاملين بالخارج يقدمون الكثير للوطن، وقد آن الأوان ليجدوا الاهتمام المستحق من ممثلي الشعب. المطلوب أن يكون لكل نائب رؤية واضحة واستراتيجية محددة لخدمة هذه الفئة، وأن يكون صوتًا قويًا لهم داخل المجلس. فإعلاء قيم المواطنة والعدل والتواصل المستمر هو الطريق لتحقيق الأمان والطمأنينة لأبناء الوطن أينما كانوا. ومن خلال هذا الالتزام الصادق، يمكن لمجلس الشعب أن يؤدي دوره الحقيقي في حماية المواطنين ودعمهم، وأن يؤكد أن الوطن لا ينسى أبناءه مهما ابتعدت بهم المسافات.
