بقلم أحمد رشدي
يظلّ الشك في عدد الركعات من أكثر المسائل التي يتعرض لها المصلون في صلواتهم اليومية وهو أمر يشترك فيه العامة والخواص على حدّ سواء فالإنسان بطبيعته يشرُد تارة وينصرف فكره تارة أخرى فتأتي لحظة يسأل نفسه فيها هل صليت ثلاث ركعات أم أربع وقد عالج الشرع هذا الباب ببيان واضح يردّ القلب إلى الطمأنينة ويقوده إلى اليقين
روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلّم فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته وإن كان صلى تمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرّ الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين وهذان الحديثان أصل قاطع في مسألة الشك وهما مفتاح هذا الباب
وقد تناول العلماء هذا الحكم بالشرح والتفصيل فذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الأصل البناء على اليقين وهو الأقل لأن اليقين لا يزول بالشك وهذا ما دلّت عليه النصوص الصحيحة وقال الإمام النووي رحمه الله إن من شك في صلاته بنى على اليقين لأن الزيادة مشكوك فيها فلا يعتد بها وأكد ابن قدامة في المغني أن الحكم في كل صلاة شكَّ المصلي في عدد ركعاتها أن يجعل الأقل يقينًا ثم يأتي بما ظنّه ناقصًا ويسجد للسهو قبل السلام
أما الحنفية فيفرقون بين من يعتريه الشك أحيانًا وبين من يلازمه الشك دائمًا فالمُبتلى بكثرة الشكوك لا يلتفت إليها لكونها وسواسًا لا أصل له أما إذا كان الشك طارئًا فيطبّق حكم البناء على اليقين وقال الإمام أبو يوسف رحمه الله إن من غلبت عليه الوسوسة فعليه ألا يلتفت إليها فإن الالتفات إليها باب يفتح للشيطان ويغلق باب الخشوع
وقد أجمع كبار المشايخ المعاصرين على هذا الأصل كابن باز وابن عثيمين والألباني رحمهم الله جميعًا فأكدوا أن الشك إذا وقع مرّة أو مرتين فحكمه البناء على الأقل ثم سجود السهو وأن كثرة الشك وسواس يجب دفعه وأن الالتفات إليه يضيع الخشوع ويجعل الصلاة محل اضطراب وقد قال ابن عثيمين رحمه الله إن سجود السهو من رحمة الله بعباده فبه يُجبر النقص إن وجد ويكون إذلالًا للشيطان إن لم يوجد
إن وقوع الشك ليس عيبًا ولا دليلًا على ضعف الإيمان بل هو من طبيعة النفس البشرية وهو أيضًا تنبيه لطيف يدعو العبد إلى حضور القلب فعندما يسهو الإنسان أو يغفل يكون في ذلك تذكير بأن الصلاة ليست حركات تؤدى وإنما مقام بين يدي الله يستدعي الخشوع والخضوع ولهذا قال أهل العلم إن من أعظم أسباب دفع الشك أن يستحضر المصلّي عظمة الوقوف بين يدي الله ويستعيذ بالله من الشيطان كلما أحسّ بشرود أو تردد
وعند وقوع الشك فإن التشريع واضح يبني المصلي على المتيقن وهو الأقل ثم يكمل صلاته ويسجد سجدتي السهو قبل السلام فتستقيم عبادته ويطمئن قلبه ولا يكون للشيطان عليه سبيل وهذه السجدات ليست مجرد حركة بل عبادة من رحمة الله تكمّل بها الصلاة وتزيد المؤمن ثباتًا ويقينًا
إن نشر هذا العلم بين الناس ضرورة لأن كثيرًا منهم يعيد صلاته دون سبب أو يعيش في اضطراب لا مبرر له بينما دلّ الشرع على حلّ يسير ورحمة واسعة فذكّر غيرك بهذا الهدي النبوي فرب كلمة أنقذت قلبًا من الوسواس وأعادت لصلاة عبد نورها ومعناها وأسأل الله لنا ولكم الخشوع واليقين والثبات على الطاعة
