بقلم د. نادي شلقامي
أيها الكرام، يا من سكنت القلوب النبيلة بين أضلعهم، لنتوقف قليلاً عن صخب الحياة الجارف، ولنأخذ نفساً عميقاً يتجاوز ضيق الأنفاس التي أثقلتها هموم الدنيا. لقد باتت الحياة المعاصرة عبئاً على الروح، حتى كاد الهواء العذب أن يعجز عن التسلل إلى الرئات المنهكة، وغابت السكينة عن فضاء القلوب.
نعيش اليوم على وقع قارع مستمر، وهو جرس التغيرات المفاجئة والرحيل غير المترقب، الذي لا يمكن اختزاله في مجرد “مصادفات عابرة”، بل هو محصلة منطقية لتراكم الإعراض والابتعاد عن مواطن العافية الروحية والأخلاقية.
لقد أدركنا، بوعي أو بدونه، أننا حِدنَا عن الجوهر الأصيل للدين ومعدن الحقيقة الثابتة، فأصبح حالنا كحال الوديع الذي يقتات على مائدة المتقاعسين، تتقاذفه أمواج الفتن المتلاطمة والأزمات المعيشية والنفسية. عجباً لأمر مجتمع آثر أن يتخلى عن سُدة الرشاد ليجول في أزقة الملهيات السريعة ومسارح الزيف الإعلامي، بينما تعلو بيوت الله صرخات استغاثة صامتة من وحشة الهجران! لقد غدونا ننسج قصصنا اليومية حول متاع زائل، ونبخل على أنفسنا ببذل الكلمات المباركة التي تفتح مغاليق السماء وتستنزل الرحمات، كالاستغفار الصادق، والصلاة على سيد الأنام، والالتزام بمدارج التقوى.
إن هذا المشهد ليس وقوفاً على الأطلال، بل هو دعوة جادة لإعادة بناء القواعد المهتزة لضمائرنا. لقد شهد الوجدان تنكراً لقيم آبائنا التي كانت تُضيء دروبهم، وغدا الاهتمام بالمادة غشاوة على بصيرة الكثيرين.
فمتى كان التجرد عن المبادئ سمة للناجحين؟ ومتى حاد أصحاب المهن الرفيعة عن شرف رسالتهم في سبيل كسب دنيوي عابر؟ ومتى شغل المال رجل الأعمال عن إغاثة المحتاجين والفقراء في وطنه، بينما يُنفق بسخاء على ميادين المظاهر الخادعة؟
لقد نبهتنا الحياة إلى أن أبواباً كثيرة قد تُغلق في وجه الساعي، ولكن باب الله يظل مفتوحاً بلا حجاب، وطريق الارتقاء في السلوك والتعامل لا يزال ممهداً للمتأملين.
فيا أيها السائرون في طريق الحياة، إن النجاة الحقيقية ليست حبيسة الأحاديث المطولة عن الأسعار والمعاش، ولا هي في لغو المجالس العابرة، ولا في مطاردة سراب الوجاهة والمنصب الزائل. إن مكمن الخلاص وغاية النجاة تتجلى في عبارة موجزة، تزن في ميزان الحقيقة أضعاف ما تجمعه الدنيا بأسرها:
“تحلَّوا بالتقوى، وارتقوا في مناهج تعاملكم.”
اجعلوا من التقوى درعكم الحصين الذي يحميكم من الزلل، ومن الإحسان منهجكم الثابت في كل معاملة، ومن الصدق عنواناً لا يحيد عن جوهركم. إن الأزمة الحقيقية التي نعيشها اليوم ليست أزمة مالية أو معيشية بقدر ما هي أزمة عميقة في الأخلاق والسلوك.
متى ما عدنا إلى هذه المبادئ، بقلوبنا قبل أن تعود أجسادنا، ومتى ما ترسخ الارتقاء في التعامل ليصبح جوهر حياتنا، فإنكم موعودون بثمار عظيمة:
— رحمة الله: تتجلى في سعة لا يحدها شيء وتشمل كل أركان الحياة.
— سعة الأرزاق: تتفتح لكم أبواب الرزق المعنوي والمادي بسخاء لا يُحصى.
— الحل الشامل: ينكشف عنكم كربكم وتجدون فرجاً كاملاً وشافياً لكل ما يؤلمكم.
لذا، سارعوا إلى غسل القلوب بماء التوبة الصادقة والنية المخلصة، قبل أن يباغتكم قدر النهاية الفجائي. فهل نحن مستعدون لبدء رحلة الارتقاء؟
