كتبت/نجده محمد رضا
تضحية لا تُصدَّق في ظلمات المحيط في عالمٍ يموج بالصراع من أجل البقاء تظهر بين الحين والآخر قصصٌ استثنائية تهزّ مفاهيم العلماء وتدفع حدود المعرفة
من بين هذه القصص برزت أنثى أخطبوط من نوع Graneledone boreopacifica لتثبت أن غريزة الأمومة قد تصل إلى مستوى من التفاني يجعل الحياة ذاتها ثمناً مقبولاً
اكتشاف مذهل في أعماق وادي مونتيري
بدأت فصول الحكاية عام 2007 عندما رصد باحثون من معهد أبحاث خليج مونتيري (MBARI) أخطبوطـة متشبثة بجدار صخري في أعماق وادي مونتيري، على عمق يقارب 1400 متر تحت سطح البحر. كانت قد وضعت نحو 160 بيضة، ومنذ تلك اللحظة ثبتت في مكانها ولم تغادره.
53 شهرًا من الصمود أمٌّ لا تعرف التراجع
على مدى 53 شهرًا أي ما يزيد على أربع سنوات كاملة عاد العلماء إلى الموقع 18 مرة لمراقبة الأم وفي كل زيارة وجدوا المشهد ذاته أمٌّ صامتة ثابتة تحرس بيضها بصبر يكاد يفوق قدرة الكائنات الحية.
كانت تنظف البيض بعناية فائقة، وتُبعد عنه الطحالب والمفترسات وتضبط تدفّق الماء حوله للحفاظ على نسبة الأكسجين. وقد رفضت جميع محاولات الباحثين لإطعامها، حتى عندما قُدِّمت لها قطعة من لحم السلطعون بواسطة ذراع آلية.
ثمن الأمومة في عالم الأعماق
ومع مرور الوقت، بدأت علامات الإرهاق تظهر عليها بوضوح
ترهّل جلدها
ضعف بصرها
وتلاشي لونها تدريجيًا
ورغم هذا الانهيار الجسدي لم تبتعد عن بيضها لحظة واحدة. ظلّت في مكانها تُمارس دورها الأمومي حتى النهاية.
نهاية صامتة وبداية لحياةجديدة
وحين فقس الصغار أخيرًا بعد أطول فترة حضانة معروفة في تاريخ مملكة الحيوان اختفت الأم في صمت
يرجّح العلماء أنها ماتت بعد أن أدت مهمتها الأخيرة تاركةً خلفها مشهدًا مؤثرًا يلخّص أعظم معاني الإيثار.
دلالة علمية وإنسانية
تُعدّ هذه الحالة دليلًا حيًّا على أن التضحية الأمومية ليست مفهومًا إنسانيًا فحسب بل تمتد جذورها عميقًا في الطبيعة فهي تُبرز كيف يمكن لغريزة البقاء أن تتحوّل إلى غريزة فداء تدفع الكائن الحي للتخلي عن حياته في سبيل استمرار نسلها
قصة هذه الأخطبوطـة ليست مجرد واقعة علمية نادرة بل رسالة من أعماق المحيط تُذكّر البشر بأن الأمومة مهما اختلف الكائن هي قوة عاطفية فطرية قادرة على تجاوز حدود الألم والبقاء.
إنها حكاية أمٍّ أدّت واجبها حتى النهاية ثم رحلت ليبدأ جيل جديد من الحياة.
