د.نادي شلقامي
يُعد عمر بن المختار بن عمر المنفي (1862 – 1931م) أحد أبرز رموز الجهاد والمقاومة في التاريخ العربي والإسلامي الحديث. ارتبط اسمه بالدفاع عن ليبيا ضد الغزو والاحتلال الإيطالي الذي بدأ عام 1911م، واستمر كفاحه المسلح لحوالي عشرين عاماً حتى أسره وإعدامه. لم يكن عمر المختار مجاهداً عسكرياً فحسب، بل كان رمزاً للصمود والعقيدة والزعامة، وظلت سيرته وقيمه مصدر إلهام للشعب الليبي والأمة العربية على مر العصور.
أولاً: النشأة والمسيرة الجهادية (قديماً)
1- المولد والنشأة والدراسة (1862 – 1911م)
— المولد:
ولد عام 1862م (وقيل 1858م) في قرية جنزور بمنطقة البطنان في الجبل الأخضر ببرقة (شرق ليبيا).
— النسب والتربية:
ينتمي إلى قبيلة المنفة من بيت فرحات. توفي والده وهو صغير أثناء رحلة الحج، فتولى رعايته شيخ زاوية جنزور السنوسية، الشيخ حسين الغرياني.
— التكوين الديني والقيادي:
درس في معهد واحة الجغبوب، الذي كان عاصمة الدعوة السنوسية، لمدة 8 سنوات، حيث تخصص في العلوم الشرعية (الفقه، الحديث، التفسير). اكتسب ثقافة دينية عميقة وشخصية قيادية متزنة، بالإضافة إلى خبرة واسعة بمسالك الصحراء وأحوال القبائل، مما أهّله للقيادة فيما بعد.
— الخبرة القتالية المبكرة:
قبل الغزو الإيطالي، اكتسب المختار خبرة عسكرية مبكرة في حروب سابقة، حيث شارك في معارك ضد الفرنسيين في تشاد (1899-1902م) وضد البريطانيين على الحدود الليبية المصرية، وكان ضمن كتائب الحركة السنوسية.
ثانيا….مقاومة الاحتلال الإيطالي (1911 – 1931م)
1- بدء الجهاد:
في عام 1911م، أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية وغزت ليبيا. عاد عمر المختار إلى الجبل الأخضر ليقود حركة المقاومة والجهاد ضد الغزاة.
2- تكتيك حرب العصابات:
اتبع المختار أسلوب حرب العصابات والغارات السريعة، مستغلاً معرفته الدقيقة بتضاريس الصحراء. كانت مجموعاته لا تتجاوز 100 إلى 300 مقاتل، واستطاعوا استنزاف القوات الإيطالية التي كانت تتفوق عليهم عدداً وعدةً.
3- قيادة متواصلة:
استمر في قيادة المقاومة لمدة 20 عاماً، لم يُعرف عنه الكلل أو الملل، حتى بعد انسحاب القادة السنوسيين إلى مصر عام 1922م. خاض عشرات المعارك، مثل معركة بئر الغبي ومعركة أم الشافتير، محققاً انتصارات هزت هيبة القوات الإيطالية.
4- صفات المجاهد:
تميز المختار بالإخلاص والورع، والتزام تلاوة القرآن وقيام الليل. وكان يتمتع بجرأة وقوة وشخصية مؤثرة، مما جعله “شيخ المجاهدين” الذي التف حوله أبناء القبائل.
5- خطط القمع الإيطالية:
مع صمود المقاومة، كثّف النظام الفاشي الإيطالي بقيادة بينيتو موسوليني جهوده للقضاء على الثورة. تم تعيين الجنرال رودولفو غراسياني (المعروف بـ “جزار ليبيا”) حاكماً على برقة، والذي نفذ خططاً وحشية شملت بناء الأسلاك الشائكة على الحدود لإغلاق طرق الإمداد، وإنشاء المعتقلات الجماعية (مثل معتقل العقيلة) لجمع الأهالي وعزلهم عن المجاهدين.
ثالثا…. الأسر والاستشهاد (1931م)
1- القبض عليه:
في 11 سبتمبر 1931م، تم أسر عمر المختار بعد إصابته في معركة أثناء محاولته فك الحصار عن بعض رفاقه.
2- المحاكمة والإعدام:
في 15 سبتمبر 1931م، عقدت له محاكمة صورية قضت بإعدامه. تم تنفيذ حكم الإعدام شنقاً في 16 سبتمبر 1931م في منطقة سلوق (جنوب بنغازي)، أمام حشد كبير من الليبيين (يقدر بعشرين ألف نسمة) أرغموا على الحضور لكسر الروح المعنوية للمقاومة، لكن النتيجة جاءت عكسية.
3- موقفه الأخير:
عندما سأله غراسياني: “لماذا حاربتَ بشدَّة متواصلة الحكومة الفاشية؟” أجاب المختار: “من أجل ديني ووطني”. وعندما سُئل: “وإلى أين كنت ستصل باعتقادك؟” أجاب: “لا شيء إلا طردكم.. لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله”.
رابعا….الإرث والتأثير (حديثاً)
1- الرمزية الوطنية والقومية
1-1- الخلود بعد الاستشهاد:
أدى إعدام عمر المختار إلى اشتعال حماس المقاومة بدلاً من إخمادها، حيث استلهم الليبيون كلمته الخالدة: “نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت”.
1-2- رمز الوحدة والكبرياء:
يُعتبر عمر المختار اليوم رمزاً وطنياً لا يختلف عليه الليبيون، يمثل الكرامة، والوحدة، والرفض المطلق للاستعمار.
1-3- التكريم العربي:
تُعد شخصيته مصدراً للإلهام في العالم العربي والإسلامي كنموذج للمجاهد الذي يرفض المساومة على مبادئه.
خامسا…. التخليد في الثقافة والفن
1- فيلم “أسد الصحراء”:
أشهر تكريم حديث لذكراه كان من خلال الفيلم السينمائي العالمي “عمر المختار: أسد الصحراء” (The Lion of the Desert) عام 1981م، من إخراج المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد، وبطولة الممثل المكسيكي أنتوني كوين. هذا الفيلم رسّخ صورة المختار في الذاكرة العالمية وجعل قصة كفاحه معروفة على نطاق واسع.
2- الذاكرة الشعبية:
تتناقل الأجيال قصص المختار وبطولاته وأقواله، وتنتشر قصائده ورثائيات فيه، مما يحافظ على استمرار تأثيره الروحي والأخلاقي.
سادسا…. العلاقة مع إيطاليا (العصر الحديث)
— اعتذار رسمي
في عام 2008م، قدم رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني اعتذاراً رسمياً عن حقبة الاستعمار والأضرار التي لحقت بالشعب الليبي، خلال زيارته لليبيا وتوقيع “معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون” بين البلدين، وتضمنت الاتفاقية التزاماً بتعويضات مالية. ويُنظر إلى هذا الاعتذار كاعتراف متأخر بتضحيات عمر المختار والمجاهدين.
ترك عمر المختار إرثاً لا يمحى في تاريخ ليبيا والأمة. ففي العصر القديم، كان القائد الذي حوّل الصحراء إلى قلعة للمقاومة، رافضاً الاستسلام رغم قلة العتاد وطول أمد الصراع. وفي العصر الحديث، تحول إلى أيقونة عالمية للحرية والبطولة، وإلى بوصلة أخلاقية وسياسية، تُذكّر الأجيال بقيمة الوطن، وضرورة التمسك بالمبادئ مهما كانت التحديات. إن عمر المختار ليس مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل هو روح متجددة في وجدان كل من يؤمن بأن الحرية تُنتزع ولا تُمنح.
