د.نادي شلقامي
لم يكن التاسع من يناير مجرد تاريخ عابر في روزنامة الأحزان المصرية، بل كان يوماً سقط فيه عمودان من أعمدة القوة الناعمة والصلبة في آن واحد. ففي خضم صراع العالم مع الجائحة، فجع المصريون برحيل “فارس الكلمة” وائل الإبراشي، و”سنديانة القضاء” المستشارة تهاني الجبالي. رحل الاثنان في ذات التوقيت، وكأنهما اتفقا على أن يكونا معاً في رحلة الوداع كما كانا معاً في خندق الدفاع عن “مدنية الدولة” في أحلك الظروف. نحن هنا لا نرصد سيرتين ذاتيتين، بل نقرأ في كتاب الوطنية المصرية التي تجسدت في قلم الإبراشي ومطرقة الجبالي.
أولاً… وائل الإبراشي.. “المشاكس الذي سكن بيوت البسطاء”
1- النشأة والتكوين: من شربين إلى معقل “روز اليوسف”
— الميلاد: ولد في 26 أكتوبر 1963 بمركز شربين (الدقهلية)، منبت العباقرة.
— الدراسة: رغم دراسته للتجارة، إلا أن “غواية الصحافة” كانت أقوى. صقل موهبته في مدرسة “روز اليوسف” العريقة، حيث تعلم أن الصحافة ليست مجرد نقل أخبار، بل هي “معركة” من أجل الحقيقة.
2- المسيرة المهنية: مدرسة “الاستقصاء والمواجهة”
— الصحافة الورقية: ترأس تحرير “صوت الأمة”، وحولها إلى كابوس للفساد والمفسدين. كان يمتلك قدرة فائقة على الحصول على المستندات التي يخشى غيره الاقتراب منها.
— الصحافة التلفزيونية: انتقل من “الحقيقة” إلى “العاشرة مساءً” ثم “التاسعة”. تميز بأسلوب “الهادئ المتفجر”، حيث كان يدير الحوار ببرود يحبس الأنفاس، محاصراً ضيفه بالأسئلة التي يطرحها المواطن في الشارع.
3- المحطات الوطنية والسياسية:
– عُرف بكونه “عدو الجماعات المتطرفة” الأول إعلامياً؛ حيث فكك أفكارهم على الهواء مباشرة في حلقات تاريخية.
— كان منحازاً للدولة الوطنية المصرية، لكنه ظل محتفظاً بحق “النقد البناء”، مما جعله محل ثقة من الشعب باختلاف انتماءاتهم.
4- الإرث والوفاة:
— الوفاة: بعد عام كامل من المعاناة مع تليف الرئة الناتج عن كورونا، رحل في 9 يناير 2022.
— الإرث: ترك مدرسة إعلامية تؤمن بأن “المواطن هو البوصلة”، وأثبت أن الإعلامي الناجح هو من يمتلك خلفية صحفية ورقية قوية.
ثانياً…تهاني الجبالي.. “قاضية الدستور وحارسة الهوية”
1- النشأة والدراسة: طنطا التي أنبتت الصلابة
— الميلاد: ولدت في 20 نوفمبر 1950 بمدينة طنطا.
— الدراسة: تخرجت من حقوق المنصورة 1973، وهي السنة التي شكلت وعيها الوطني بالعبور والنصر. لم تتوقف عند الليسانس، بل تعمقت في الدراسات العليا في الشريعة والقانون لتمتلك الحجة الدينية والقانونية معاً.
2- المسيرة المهنية: كاسرة الزجاج والقواعد
— المحاماة: كانت أول سيدة تُنتخب لعضوية مجلس نقابة المحامين، وتصدرت لجان الحريات والدفاع عن حقوق المرأة.
— القضاء: في 2003، حطمت الجدار الزجاجي بتعيينها كأول قاضية في تاريخ المحكمة الدستورية العليا، وهو أعلى منصب قضائي في مصر، لتمهد الطريق لآلاف القاضيات من بعدها.
3- المواقف الوطنية: “سيدة المواقف الصعبة”
— وقفت بصلابة أسطورية ضد محاولات “أخونة الدولة” وتعديل الدستور بما يخدم مصالح ضيقة.
— دافعت عن “المحكمة الدستورية” عندما حاصرها المتطرفون في 2012، واعتبرت أن هيبة القضاء هي هيبة الدولة ذاتها.
— كانت “رأس حربة” قانونية وفكرية في ثورة 30 يونيو، حيث صاغت الكثير من الرؤى القانونية لحماية الثورة.
4- الإرث والوفاة:
–الوفاة: رحلت في صمت مهيب في نفس يوم رحيل الإبراشي (9 يناير 2022) متأثرة بتبعات فيروس كورونا.
— الإرث: تركت تاريخاً ناصعاً في تمكين المرأة، ومجلدات من المبادئ الدستورية، وصورة ذهنية للمرأة المصرية القوية التي لا تقبل المساومة على ثوابت الوطن.
وختاما..فإن وائل الإبراشي وتهاني الجبالي لم يكونا مجرد موظفين في بلاط الإعلام أو محراب القضاء؛ بل كانا “مشروعين وطنيين” يمشيان على قدمين. لقد تشابكت خيوط حياتهما في الدفاع عن “مصر المدنية”، وتشابكت نهاياتهما في يوم رحيل واحد، ليؤكدا لنا أن الإخلاص للوطن هو الرابط الأسمى الذي يتجاوز المهن والتخصصات. إن ذكراهما ستبقى حية، ليس في سجلات الأرشيف، بل في وعي كل مصري يؤمن بأن الكلمة أمانة، وأن العدل أساس الملك، وأن الوطن فوق الجميع.
