كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة
بينما يعيش معظم أتباع الطوائف الدينية في انسجام نسبي مع مجتمعاتهم، تبرز جماعة يهودية متشددة تُعرف باسم “ليف طاهور” كاستثناء صارخ. هذه الطائفة، التي تتميز بعزلتها التامة، وتنقلاتها المستمرة بين الدول، والاتهامات الخطيرة الموجهة إليها، تحولت إلى مادة استقصائية للصحافة وملف مطروح أمام السلطات القانونية في عدة دول.
تأسيس الطائفة ونمطها العقائدي
تأسست الطائفة في إسرائيل على يد شلومو هيلبرانس عام 1988، الذي تبنّى تفسيرًا صارمًا للشريعة اليهودية، معارضًا للحداثة والصهيونية، ورافضًا وجود دولة إسرائيل. اسم الجماعة بالعبرية، “ليف طاهور”، يعني “القلب الطاهر”.
تبنت الطائفة تفسيراً راديكالياً للشريعة اليهودية، يقوم على ركيزتين:
معاداة الصهيونية: رفض وجود دولة إسرائيل باعتبارها كياناً غير شرعي قبل مجيء “المخلص”.
الانعزال التام: قطع أي صلة بالعالم الخارجي “النجس” لضمان طهارة الروح.
في أوائل التسعينيات، انتقل أعضاء الطائفة إلى أحياء متشددة في نيويورك مثل ويليامزبرغ، قبل أن يستقروا مؤقتًا في بلدة مونسي شمال الولاية.
أحداث مهمة في تاريخ الطائفة
1994‑2000: إدانة الحاخام هيلبرانس بتهمة اختطاف طفل في نيويورك، وحكم عليه بالسجن عامين قبل ترحيله إلى إسرائيل.
يوليو 2017: وفاة هيلبرانس عن عمر 54 عامًا أثناء أداء طقس ديني في ولاية تشياباس المكسيكية.
حياة الطائفة خلف الجدران
مصادر متعددة، بينها شهادات فارين من الجماعة، تؤكد أن أتباع ليف طاهور يعيشون في مجتمعات مغلقة تُفرض فيها قواعد صارمة:
تُلزم النساء والفتيات (من سن 3 سنوات) بوشاح أسود يغطي الجسد بالكامل، مما أكسبهم لقب “طالبان اليهودية”.
قص شعر الأطفال أسبوعيًا منذ سن الثالثة، بينما يُترك اللحية عند الذكور.
منع التعليم الرسمي، واستخدام الأدوية النفسية للسيطرة على الأفراد، مع فصل تام بين الجنسين.
ويشير خبراء في شؤون الجماعات المتشددة إلى أن هذه العزلة لا تهدف فقط للحفاظ على الهوية الدينية، بل أيضًا للتحكم الفكري والاجتماعي بالأعضاء.
كما تفرض الجماعة تفسيرات صارمة لقوانين الكشروت، تشمل الامتناع عن أطعمة شائعة مثل الدجاج والبيض، وتقشير جميع الخضروات والفواكه، وعدم تناول ورق الخس إلا مرة واحدة في السنة.
اتهامات بالانتهاكات
لطالما واجهت الجماعة اتهامات متكررة تتعلق بـ:
إساءة معاملة الأطفال.
فرض عقود زواج قسري لفتيات قاصرات من رجال أكبر سنًا داخل الطائفة.
حرمان الأطفال من التعليم والرعاية الصحية.
فرض قيود صارمة على الحريات الفردية.
في كندا، أدت هذه الاتهامات إلى سحب أطفال من عائلاتهم وفتح تحقيقات رسمية أثارت اهتمام وسائل الإعلام.
التحقيقات والفضائح الدولية
2003‑2013: كندا ونزاعات مع السلطات
استقر أفراد الجماعة في كندا، لكن النزاعات مع جهات حماية الأطفال والخدمات التعليمية أدت إلى تدخل السلطات بشأن تعليم الأطفال وظروفهم المعيشية.
في نوفمبر 2013، أصدر قاضٍ كندي أمرًا بإبعاد 14 طفلًا من الطائفة بسبب مخاوف من الإهمال والعنف، قبل أن يغادر أعضاء الجماعة البلاد إلى غواتيمالا.
2013‑2017: غواتيمالا والمزيد من التوتر
معظم أفراد الجماعة تركوا كندا إلى غواتيمالا بعد النزاع مع الخدمات الاجتماعية هناك.
خلال هذه الفترة ظهرت تقارير عن زواج قاصرات وأوضاع معيشية قاسية للأطفال في المجتمعات المغلقة.
2021: إدانات في الولايات المتحدة
قضت محكمة في نيويورك بسجن قادة الطائفة لمدة 12 سنة بتهم اختطاف واستغلال جنسي للأطفال، بعد اختطاف أطفال من عائلة ومحاولة إجبار الفتاة على استمرار علاقة مع رجل بالغ.
2022: تدخل السلطات المكسيكية
مداهمة لقادة الجماعة في ولاية تشياباس المكسيكية قرب غواتيمالا أدت إلى إنقاذ أطفال من ظروف يشتبه بأنها إساءة معاملة.
2024: غواتيمالا تنقذ 160 طفلًا
قوات الأمن الغواتيمالية داهمت مجمع الجماعة، ووُضع أكثر من 160 طفلًا و40 امرأة تحت الحماية الحكومية على خلفية اتهامات بالسوء المعاملة والاتجار بالبشر.
أواخر 2025: توقيف وترحيل في كولومبيا
اعتقلت كولومبيا أفراد الجماعة في فندق بمدينة يارومال، وأخذت 17 طفلًا تحت الحماية قبل ترحيلهم إلى الولايات المتحدة، بعد الاشتباه في تعرضهم للمخاطر.
شهادات الفارين والتحقيقات الاستقصائية
في أغسطس 2018، عرضت قناة CBC News الكندية فيلمًا استقصائيًا بعنوان “حاخام القلوب النقية” كشف عن ممارسات عنيفة داخل الطائفة، منها إجبار الأطفال على الصيام وتعنيف الأمهات، والتجسس المتبادل بين الأعضاء.
آدم بروديفسكي (28 عامًا)، أحد الفارين، أكد أن القيادة تمارس سيطرة نفسية شديدة تشمل:
توجيه ضرب الأطفال المخالفين باستخدام أسلاك حديدية.
إبرام عقود زواج قسري لفتيات قاصرات مع رجال أكبر سنًا داخل الطائفة.
إجبار الأعضاء على تعاطي أدوية مضادة للاكتئاب للتحكم النفسي.
كما كشف عن محاولات الطائفة لتقويض مصداقية الفارين عبر إجبارهم على توقيع وثائق تنتقص من حالتهم النفسية حال مغادرتهم الجماعة.
التنقل بين الدول والفرار من الملاحقة
مع تصاعد الضغوط القانونية، بدأت الطائفة بالتنقل بين كندا وغواتيمالا والمكسيك، في محاولة لتفادي الرقابة القضائية وحماية أعضائها. ومنظمات حقوقية تقول إن هذا التنقل يعقد حماية الأطفال ويصعّب مراقبة الجماعة.
انقسام داخل المجتمع اليهودي
تُقدّر أعداد أتباع ليف طاهور بالمئات، مع وجود مؤيدين في مناطق الحريديم بالقدس ومستوطنة بيت شيمش والولايات المتحدة.
وبرغم من محاولة الطائفة التستر بعباءة الدين، إلا أن المجتمع اليهودي الأرثوذكسي (الحريديم) تبرأ منها رسمياً. وصفتها المحاكم الحاخامية بأنها “طائفة منحرفة” تنتهك جوهر الشريعة الإنساني، محذرين من خطرها على سلامة الأفراد.
