د/حمدان محمد
الأسرة في الإسلام أمانة والأمانة لا تقبل التهاون أبدا فالبر ليس طريقا مفروضا على الأبناء وحدهم بل على الأباء أيضاً ولا العقوق يولد فجأة دون مقدمات فلقد قرن الله سبحانه وتعالى بر الوالدين بتوحيده قال تعالى
(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) فالإحسان الذي جعله الله مع عبوديتة وقرنة سبحانه وتعالى بالأبناء هو خلق متبادل ومناخ لا ينبت في القسوة ولا يعيش في الإهمال وفي الوقت الذي شدد فيه الإسلام على بر الأبناء بآبائهم فقد حمّل الآباء مسؤولية عظيمة تجاه أولادهم قال تعالى
(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا)
فالوقاية هنا لا تكون بالإنفاق وحده وإنما بالتربية والاحتواء والقدوة فإن كثيرا مما نشهده اليوم من عقوق الأبناء ما هو إلا حصاد مؤلم لعقوق سابق قد يكون عقوق في التربية
وعقوق في الغياب وعقوق في تحويل الأب إلى ممول غائب لا مربى حاضرا وقد قال النبي ﷺ
(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) فالأب مسؤول وسيسأل عن سنوات الغياب وعن القسوة وعن التفريط في الأمانة ومن السنن التي لا تتخلف أبدا أنه من زرع حصد ومن أهمل وجد ثمرة إهماله ولو بعد حين وفي هذا السياق جاءت القصة التي شغلت الرأي العام قصة طبيب مصري يعمل في المملكة العربية السعودية فوالله وبالله وتالله لم تذكر للتشهير ولا للشماتة ولكن لتكون عبرة لكل بيت فهذا رجل انشغل بجمع المال كأمثال الآباء الكثيرون المتواجدون فيما بيننا وترك أبناءه بلا متابعة ولا تربية حقيقية وظن أن الوفرة الماديةستصنع أبناء أبرارا فلما جاء وقت الحاجة ظهرت النتيجة كما رآها الناس مؤلمة وصادمة وهنا تتجلى سنة الله في الكون
(وما ربك بظلام للعبيد) فالمال لا يصنع القيم
ولا يزرع الرحمة ولا يعوض غياب الأب ولا يبني بيوتا مستقرة ومع ذلك
فإن الإسلام دين عدل لا يبيح العقوق بحجة التقصير ولا يسقط فريضة البر مهما كانت الأسباب فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
(رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف
قيل من يا رسول الله
قال من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة)
وقال صلى الله عليه وسلم
(ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) فالرسالة واضحة إلى
كل أب
احذر أن تظن أن المال يعفيك من التربية
وإلى
كل ابن
احذر أن يجرك التقصير إلى العقوق فالبر نجاة
والعقوق هلاك وسنن الله لا تحابي أحدا
فلنراجع أنفسنا
قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا ندم
البر والعقوق بين الأب والابن سنن لا تحابي أحدا وعبرة من واقع مؤلم
2.7K
