بقلم : أحمد رشدي
بدأ الأمر بوميض
ضوء خاطف شق السماء ثم اختفى
كأن أحدهم أغمض عينًا هائلة في الفضاء
في تلك الليلة تعطلت الأقمار الصناعية
وانقطعت الاتصالات
وصمتت أجهزة الرصد الجوي دفعة واحدة
قالوا خللًا مؤقتًا
لكن الصمت كان أعمق من أن يكون عطلًا
كنت أعمل في محطة مراقبة قديمة أعلى الهضبة
مكان مهجور لا يزوره أحد
إلا حين تخطئ الأجهزة الحديثة
وحينها
يعودون إلينا
مرغمين
عند الثالثة فجرًا
سمعت الصوت
ليس انفجارًا
ولا صفيرًا
بل ذبذبة منخفضة
تشبه نبضًا عملاقًا
يهز العظام من الداخل
خرجت إلى السطح
فرأيت السماء
ليست كما نعرفها
النجوم تحركت
اصطفت
ثم انفتحت
كأن السماء نفسها انشقّت
ظهروا
رؤوس ضخمة وأعين واسعة
أجسام داكنة
هندسية الشكل
لا أجنحة
لا محركات
تتحرك في صمت كامل
وتنزل ببطء
كما لو أن الجاذبية تخضع لهم
تجمدت أنفاسي
وشعرت بصدري يضيق
وبأن الخوف لا يأتي من رؤيتهم
بل من الإحساس
بأنهم يرونني منذ زمن
أضاء أحدهم
نورًا أحمر
اخترق رأسي مباشرة
لم أرَ صورًا
بل ذكريات
أخطاء
مخاوف
أشياء لم أنطق بها يومًا
سمعت الصوت داخل عقلي
لسنا زائرين
نحن العائدون
اقترب أحدهم
لم يكن له وجه
لكن في موضع الرأس
عينان واسعتان
تتغير ألوانهما
كأنهما تدرسانني
تختبران مقاومتي
حاولت الهرب
لكن قدميّ لم تتحركا
الأرض تحتّي صارت لزجة
كأنها ترفض التخلي عني
والهواء صار كثيفًا
يخنق
من حولي
بدأت تظهر ظلال أخرى
بشر
لكنهم لم يعودوا بشرًا تمامًا
عيونهم فارغة
وحركاتهم بطيئة
كأنهم دمى أعيد تشغيلها
أدركت الحقيقة المرعبة
لم يأتِ الفضائيون ليغزونا
لقد كانوا هنا دائمًا
يراقبون
يعدّون
وحان وقت الحصاد
قال الصوت
العقل البشري بوابة
وحين يُفتح
لا يُغلق
آخر ما رأيته
هو السماء
تغلق من جديد
والأضواء تختفي
استيقظت
قالوا إنني كنت أصرخ وحدي في المحطة
وإن كل شيء كان طبيعيًا
لكنني أعلم
أن القادمون من الأعلى
لم يغادروا
هم فقط
بدأوا
من الداخل.
