بقلم إيمان دويدار
ليست كل كلمة في القرآن تُقال عبثًا، وليست كل حكاية تُروى كما اعتاد الناس أن يختصروها. فقصة سيدنا يوسف عليه السلام مثال صارخ على دقّة اللفظ، وعمق المعنى، وإحكام البيان. كثيرون يرددون: ألقاه إخوته في البئر، لكن القرآن — وهو الأصدق بيانًا والأدق تعبيرًا — لم يقل ذلك. قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ثم قال عند التنفيذ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ وهنا تتجلّى المعجزة اللغوية. الجُب غير البئر؛ فالجُب حفرة طبيعية في الأرض يتجمع فيها ماء المطر، يعرفها الرعاة والمسافرون ولا تُحفر عمدًا، أما البئر فهي حفرة عميقة من صنع الإنسان تُبطن بالحجارة ويُشاد لها بناء. ثم تأتي الكلمة الأعمق دلالة: غيابة الجُب، وهي موضع داخل الجُب أعلى من مستوى الماء وأسفل من فوهته، مكان يختفي فيه من وُضع فلا يراه من يمر فوق الأرض، ولا يصل إليه إلا من ينزل ليستقي الماء. ولو قال القرآن: ألقوه في الجُب لاحتمل المعنى الغرق والهلاك، لكن التعبير جاء: في غيابة الجُب، ثم لم يقل عند التنفيذ: ألقوه، بل قال: يجعلوه، والجَعْل غير الإلقاء؛ فهو وضعٌ بتقدير لا رميٌ بعنف، ليتحقق قدر الله لا لينتهي الأمر بموت غلام. ولهذا جاء القول: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾، فلم يقل: يمرّ به عابر سبيل، بل قافلة تنزل لتستقي، فتراه في غيابة الجُب، فيأخذه القدر من حضن المحنة إلى أول الطريق. والعجيب أيضًا أن كلمة البئر لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾، بينما وردت كلمة الجُب مرتين فقط، وكلتاهما في سورة يوسف، وكأن السياق اختار اللفظ بدقة الجرّاح لا عشوائية الراوي. العِبرة أن البشر قد يضعونك في غيابة، لكن الله لا يضعك إلا في موضع نجاة، وقد يُراد بك الأذى فيكون ذلك أول الطريق إلى التمكين. وصدق الله إذ قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾.
