أحمد حسنى القاضي الأنصاري
في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، ولا سيما مع الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تتردد على ألسنة كثير من الناس مقولة مفادها أن «البركة قد قلت في هذا العصر». وهي مقولة تحمل في ظاهرها قدرًا من الصدق، غير أن ربط نقص البركة بالتكنولوجيا ذاتها يُعد تبسيطًا مخلًا للحقيقة.
فالبركة، في جوهرها، ليست نتاج أدوات أو تقنيات، بل هي فضل إلهي خالص، يمنحه الله سبحانه وتعالى لعباده وفق تقواهم وصلاح أحوالهم، وهو ما أكده القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
[الأعراف: 96].
أما التكنولوجيا، فهي وسيلة محايدة؛ قد تكون بابًا للخير إذا أُحسن استخدامها، وقد تتحول إلى سبب للضرر إذا استُعملت على نحو سلبي أو ألهت الإنسان عن مقاصد حياته وقيمه. وقد أشار القرآن الكريم إلى أن الفساد نابع من السلوك الإنساني لا من الوسائل ذاتها، في قوله تعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾
[الروم: 41].
لقد أظهر الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة قدرات هائلة، وأسهم في تسريع العمل وتسهيل المعرفة وتوسيع آفاق الإنتاج، غير أن الإفراط في استخدامه دون وعي أخلاقي أو انضباط سلوكي قد يؤدي إلى نتائج سلبية، من بينها ضياع الوقت وضعف التركيز، وهي مظاهر يخلط البعض بينها وبين مفهوم تراجع البركة.
إن نقصان البركة لا يرتبط بالتقدم التقني بقدر ما يرتبط بسلوك الإنسان واختياراته؛ فالمعصية وسوء التدبير وغياب القيم تفضي إلى آثار تشبه الفقر المعنوي، ولو توفرت الإمكانات. أما التقوى والعمل الصالح، فهما السبيل الأصيل لنزول البركة في كل زمان ومكان.
وفي الختام، تبقى البركة رزقًا إلهيًا لا يُقاس بكثرة المال أو سرعة الإنجاز، وإنما بما يحمله من خير ونفع وطمأنينة. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم البركة في الأوقات والأعمال، وأن يجعل ما بين أيدينا من تكنولوجيا وسيلة للخير لا بابًا للغفلة.
