بقلم : أحمد رشدي
الانتماء ليس كلمة تُرفع في المناسبات؛
ولا شعارا يُردد عند الأزمات ثم يُنسى مع أول اختلاف ، بل هو فعل يومي وسلوك متجدد يتجلى في أبسط التفاصيل قبل أعقدها. فالأوطان لا تُبنى بالخطب الرنانة وحدها وإنما تُصان حين يشعر الإنسان أن له دورا حقيقيا ومسؤولية لا يمكن التنصل منها
في لحظات الرخاء قد يبدو الانتماء أمرا بديهيا لا يُلتفت إليه كثيرا لكن قيمته الحقيقية تظهر وقت الشدائد حين تتكشف المواقف وتُختبر النوايا فهناك من يرى الوطن مساحة للمطالبة فقط وهناك من يراه شراكة تقوم على الحقوق والواجبات معا والفرق بين الرؤيتين هو الفارق بين الاستهلاك والبناء.
إن الانتماء الواعي لا يتعارض مع النقد بل يقوم عليه فحب الوطن لا يعني الصمت عن الأخطاء ولا تبرير التقصير وإنما يعني الحرص على الإصلاح دون تشويه وعلى المصارحة دون إساءة فالنقد الصادق دليل اهتمام أما الهدم المتعمد فليس إلا وجها آخر للاغتراب.
وفي المجتمعات الحية يتحول الانتماء إلى ثقافة عامة تبدأ من احترام القانون والحفاظ على المرافق العامة ولا تنتهي بالمشاركة الإيجابية في الشأن العام ،
فالمواطن المنتمي لا ينتظر التعليمات ليؤدي دوره ، بل يدرك أن سلوكه الفردي جزء من صورة أكبر وأن الفوضى الصغيرة قد تصنع أزمة كبيرة.
كما أن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالصوت العالي ولا بالمزايدات بل بالالتزام الصامت والعمل المستمر فكم من يد تبني في هدوء كان أثرها أعمق من ألف خطاب ،
وكم من تصرف مسؤول أنقذ ما لم تنقذه الكلمات فالعمل حين يقترن بالنية الصادقة يصبح رسالة أبلغ من أي شعار.
وفي زمن تتعدد فيه الولاءات وتتشابك فيه الهويات يصبح الحفاظ على الانتماء المتوازن ضرورة للحفاظ على الاستقرار ،
انتماء يدرك خصوصية الوطن دون انغلاق ويحترم العالم دون ذوبان ،
فالأمم القوية هي التي تعرف من تكون وماذا تريد وإلى أين تتجه.
و يبقى الانتماء قيمة تُمارس لا تُعلن وموقفا يُعاش لا يُكتب فحين يشعر الإنسان أن الوطن يسكن فيه كما يسكن هو في الوطن تتحول المسؤولية إلى شرف والعمل إلى واجب جميل والمستقبل إلى مشروع يستحق أن نبذل من أجله كل ما نملك من وعي وإخلاص.
