كتب – محمد جلال :
في عالمٍ يتسارع فيه الإيقاع وتتشابه فيه الصور، تبرز الفنانة التشكيلية جيهان فوزي كصوتٍ بصري مختلف، يحمل في طياته حسًا إنسانيًا عميقًا وقدرة لافتة على تحويل المشاعر إلى مساحاتٍ لونية نابضة بالحياة. أعمالها لا تُشاهد فحسب، بل تُعاش وتُحَسّ، إذ تتجاوز حدود الشكل إلى فضاءات التأمل والدهشة.
لغة اللون ومساحات التأمل
تعتمد جيهان فوزي في لوحاتها على توظيف اللون بوصفه بطلًا رئيسيًا في العمل الفني. تمزج بين الدرجات الدافئة والباردة بجرأة مدروسة، فتخلق توازنًا بصريًا يعكس صراعات داخلية وأسئلة وجودية. لا تتعامل مع اللون كعنصر تجميلي، بل كوسيلة تعبير تحمل رمزية واضحة؛ فالأزرق لديها قد يتحول إلى مرآة للسكينة، بينما يتوهج الأحمر ليعكس نبضًا إنسانيًا متقدًا.
تتسم أعمالها بعمق بصري يجعل المتلقي يتوقف طويلًا أمام اللوحة، باحثًا عن طبقات المعنى الكامنة خلف الخطوط والتكوينات. هي لا تقدم إجابات جاهزة، بل تفتح أبوابًا للتأويل، تاركة لكل مشاهد حريته في قراءة العمل وفق تجربته الذاتية.
بين الواقع والتجريد

تتحرك الفنانة في مساحة وسطى بين الواقعية والتجريد، حيث تستلهم من تفاصيل الحياة اليومية عناصرها الأولى، ثم تعيد صياغتها بلغة تشكيلية خاصة. قد نلمح في بعض أعمالها ظلال وجوه أو ملامح أماكن، لكنها سرعان ما تتداخل مع مساحات لونية مجردة، لتؤكد أن الحقيقة ليست دائمًا مرئية بالكامل، وأن الفن قادر على كشف ما وراء الظاهر.
هذا التوازن بين الملموس والمتخيل يمنح لوحاتها طابعًا فلسفيًا، ويجعلها أقرب إلى حوار بصري مفتوح بين الفنانة والمتلقي.
حضور إنساني ورسالة فنية
ما يميز تجربة جيهان فوزي هو حضور البعد الإنساني في معظم أعمالها. المرأة، الطفولة، الانتظار، الأمل… كلها موضوعات تتكرر في لوحاتها، لكنها تُطرح برؤية غير تقليدية، بعيدة عن المباشرة أو الخطابية. فهي تترك للمساحة واللون أن يقولا ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه.
كما تعكس أعمالها إيمانًا بدور الفن في ترسيخ القيم الجمالية والارتقاء بالذائقة العامة، إذ تسعى من خلال مشاركاتها ومعارضها إلى نشر ثقافة الفن بوصفه ضرورة حياتية، لا رفاهية نخبوية.
تجربة متجددة
تُظهر مسيرة الفنانة حرصًا واضحًا على التطور والتجريب، سواء من حيث التقنيات المستخدمة أو الموضوعات المطروحة. فهي لا تكرر ذاتها، بل تسعى في كل مرحلة إلى اكتشاف أفق جديد، ما يمنح تجربتها حيوية واستمرارية.
في النهاية، تبقى لوحات جيهان فوزي شهادة بصرية على أن الفن الحقيقي هو ذلك القادر على ملامسة العمق الإنساني، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى بلغة اللون والخط والضوء. إنها تجربة فنية تستحق التأمل، وتؤكد أن الإبداع حين ينبع من الصدق، يصل دائمًا إلى القلب
