بقلم د.نادي شلقامي
في يوم 30 نوفمبر، تلتقي سير أربع شخصيات محورية تركت بصمات عميقة في الوجدان المصري والعربي، كلٌ في مجاله. رياض السنباطي، “موسيقار الأجيال”، الذي صاغ ألحانًا خالدة عبرت عن روح الأمة. كامل الشناوي، “شاعر الوجدان”، الذي أغنى الصحافة والشعر بالصدق والعمق. الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، “قيثارة السماء”، الذي أسر القلوب بتلاواته المرتلة والمجوّدة. والمهندس حسن فتحي، “فيلسوف العمارة”، الذي قدم نموذجًا إنسانيًا وبيئيًا فريدًا للعمارة. يهدف هذا التقرير إلى استعراض مسيرة هؤلاء العمالقة وإبراز تأثيرهم المستمر حتى يومنا هذا.
أولا…. رياض السنباطي : (موسيقار الشرق الخالد)
1- الميلاد والنشأ
1-1- الاسم الكامل: رياض محمد السنباطي.
1-2- تاريخ الميلاد: 30 نوفمبر 1906، في مدينة فارسكور، محافظة دمياط، مصر.
1-3- الخلفية: نشأ في أسرة فنية؛ فوالده، الشيخ محمد السنباطي، كان يعمل في فرقة غنائية متنقلة. اضطر رياض لترك التعليم الابتدائي لمساعدة والده، وبدأ يعزف على العود ويغني في الأفراح والمناسبات منذ صغره.
2- المسيرة الفنية والإنجازات
2-1- الانتقال إلى القاهرة (1928): انتقل إلى القاهرة، وعمل كعازف عود ومدرس للموسيقى في معهد الموسيقى العربية.
2-2- بداية التأليف: بدأ مشواره في التلحين الجاد في ثلاثينيات القرن العشرين، لكن انطلاقته الكبرى كانت مع “كوكب الشرق” أم كلثوم.
2-3- توأمة أم كلثوم: يعتبر السنباطي الملحن الأكثر غزارة وعمقًا في مسيرة أم كلثوم. لحّن لها ما يقارب 200 أغنية، وتنوعت ألحانه بين القصائد (مثل “الأطلال” و”رباعيات الخيام”) والأغاني الطويلة والقصيرة.
2-4- سماته الموسيقية الدقيقة: تميز ببراعة فائقة في استخدام المقامات الموسيقية العربية النادرة والمهجورة، وإضافة تحولات غير متوقعة تثري اللحن، مما جعل موسيقاه تتسم بـالعمق الفلسفي والروح الشرقية الأصيلة. كان يعتبر رائدًا في “تطويع” الموسيقى لخدمة الكلمة العربية الأصيلة.
2-5- الإنتاج الشامل: لم يقتصر تلحينه على أم كلثوم، بل لحّن لكبار المطربين مثل محمد عبد الوهاب (لأول مرة في حياته في أغنية “فاكر ولا ناسي”) وليلى مراد وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة.
2-6- التأليف الآلي: له العديد من المقطوعات الموسيقية الآلية الرائعة التي تبرز قدراته كعازف عود ومؤلف متقن.
2-7- الجوائز والتكريم: حصل على وسام الفنون من الرئيس جمال عبد الناصر، كما حصل على جائزة اليونسكو الدولية للموسيقى عام 1976، اعترافًا بمساهمته الاستثنائية في إثراء التراث الموسيقي العالمي.
2-8- الوفاة: توفي في 10 سبتمبر 1981.
ثانيا…. كامل الشناوي :
( شاعر الصحافة ووجدانها)
1- الميلاد والنشأة
1-1- الاسم الكامل: محمد كامل الشناوي.
1-2- تاريخ الميلاد: 7 ديسمبر 1908، في نوس البحر، محافظة الدقهلية.
1-3- الوفاة: 30 نوفمبر 1965، في القاهرة.
1-4- الخلفية: شقيق الشاعر والكاتب مأمون الشناوي. تلقى تعليمه في قريته ثم انتقل إلى القاهرة، وبدأ مسيرته في الصحافة والأدب.
2- المسيرة الأدبية والصحفية
2-1- شاعر الوجدان: عرف بشعره الغزير الذي يميل إلى الرومانسية الحزينة والشكوى العاطفية، حيث عبّر بصدق عن تجاربه الشخصية، خاصة في قصيدته الشهيرة “لا تكذبي” التي غناها عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة، وقصيدة “إرجع إليّ”.
2-2- الأثر في الشعر الغنائي: شكلت قصائده مادة غنية لكبار الملحنين والمطربين في العصر الذهبي للموسيقى العربية.
2-3- الريادة الصحفية: كان كامل الشناوي صحفيًا لامعًا وكاتبًا سياسيًا واجتماعيًا ساخرًا. عمل في مؤسسة أخبار اليوم، وتولى مناصب قيادية هامة، منها رئاسة تحرير مجلة “آخر ساعة”.
2-4- المدرسة الصحفية: كان يتميز بأسلوب سلس ومباشر في الكتابة، وبقدرة على اختراق القضايا الاجتماعية والسياسية بنقد لاذع لكن مهذب. كان يُعد من جيل الرواد الذين أسسوا المدرسة الصحفية الحديثة في مصر.
2-5- الاهتمامات المتعددة: كتب في مجالات متنوعة من المقالات الاجتماعية والسياسية إلى قصص قصيرة. كان شخصية مؤثرة ومحورًا للصالونات الثقافية والأدبية في القاهرة.
2-6- أهم المجموعات الشعرية: “اعترافات أبي نواس”، “السمر والثمر”.
ثالثا… الشيخ عبد الباسط عبد الصمد: (قيثارة السماء وإمام القراء)
1- الميلاد والنشأة
1-1- الاسم الكامل: عبد الباسط محمد عبد الصمد سليم داود.
1-2- تاريخ الميلاد: 1927، في قرية المراعزة، محافظة قنا، صعيد مصر.
1-3- الوفاة: 30 نوفمبر 1988، في القاهرة.
— الخلفية: حفظ القرآن الكريم كاملاً على يد الشيخ محمد الأمير في سن العاشرة، وأتقن القراءات السبع على يد الشيخ محمد سليم حمادة.
2- المسيرة القرآنية العالمية
2-1- اكتشاف الموهبة: اشتهر صوته العذب والقوي في صعيد مصر، وبدأت شهرته الحقيقية بعد انتقاله للقاهرة في أوائل الخمسينيات.
2-2- الإذاعة المصرية (1951): التحق بإذاعة القاهرة، وشكل ظهوره الأول في الراديو علامة فارقة في تاريخ التلاوة، حيث استقطب ملايين المستمعين.
2-3- الألقاب العالمية: لُقب بـ”صوت مكة” و”الصوت الذهبي”، نظراً لتكريمه في المسجد الحرام والمسجد النبوي.
2-4- المميزات الصوتية الدقيقة: تميز الشيخ عبد الباسط بـ:
— القوة والقرار: يمتلك طبقة صوتية عميقة (قرار) قوية جدًا.
— المرونة والمدود: قدرة استثنائية على “مد” النفس لأزمان طويلة جدًا مع الاحتفاظ بالتحكم في النغم والإيقاع، وهي من أصعب مهارات التلاوة.
— التجويد المتقن: إتقانه لأحكام التجويد والقراءات بشكل دقيق، مع التعبير الصوتي عن معاني الآيات (الخشوع والتأثر).
— أسلوب فريد: اشتهر بأسلوبه الخاص في تلاوة سورة يوسف والقيامة والرحمن.
2-5- السفير القرآني: سافر حول العالم ممثلاً لمصر، وزار أكثر من 70 دولة، وارتقت تلاواته فوق الحواجز اللغوية والدينية، فكان يقرأ في أضخم المراكز الإسلامية والاحتفالات الرسمية في شتى القارات، من إندونيسيا إلى الولايات المتحدة.
2-6- الجوائز والتكريم: حصل على العديد من الأوسمة والنياشين من دول عربية وإسلامية تقديراً لجهوده في خدمة كتاب الله.
2-7- تراثه الدائم: ترك ثروة هائلة من التسجيلات المرتلة والمجوّدة التي تُبث حتى اليوم، ويُعتبر صوته أيقونة للتلاوة.
رابعا… المهندس حسن فتحي: (رائد العمارة البيئية)
1- الميلاد والنشأة
1-1- تاريخ الميلاد: 23 مارس 1900، في الإسكندرية.
1-2- الوفاة: 30 نوفمبر 1989، في القاهرة.
1-3- الخلفية التعليمية: تخرج في كلية الهندسة بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا) عام 1926.
2- فلسفة العمارة البيئية والإنسانية
2-1- ثورة “عمارة الفقراء”: لم يكن حسن فتحي مجرد مهندس، بل كان فيلسوفًا معماريًا. دعا إلى نموذج عمارة يخدم الفقراء والمجتمعات الريفية، بعيدًا عن النماذج الغربية المستوردة.
2-2- الاعتماد على المواد المحلية: ركز على استخدام المواد المتاحة محليًا ورخيصة الثمن، وفي مقدمتها الطين (الطوب اللبن)، لما له من خصائص عزل حراري ممتازة تناسب مناخ مصر الحار والجاف.
2-3- استخدام القبو (القبة) والأقبية: أحيا تقنية بناء القبة والقبو النوبية القديمة التي لا تحتاج إلى سقالات خشبية باهظة (الشدات)، مما يقلل التكلفة بشكل كبير ويخلق فراغات معمارية جميلة ومناسبة بيئيًا.
2-4- مشروع “القرنة الجديدة” (1945): يُعد هذا المشروع بالقرب من الأقصر أشهر أعماله، حيث صمم قرية كاملة لإيواء سكان القرنة القديمة (التي كانت مبنية فوق مقابر أثرية). على الرغم من التحديات الاجتماعية التي واجهت المشروع، إلا أنه أصبح أيقونة عالمية في العمارة الإنسانية والبيئية.
2-5- التأثير العالمي: أطلق عليه لقب “مهندس الفقراء”، وتُرجم كتابه الشهير “عمارة الفقراء” إلى لغات عديدة، وأثّر في مدارس العمارة المستدامة (Sustainable Architecture) حول العالم.
2-6- المحاضرات والجوائز: قام بالتدريس في الخارج وعمل خبيرًا معماريًا لدى الأمم المتحدة. حصل على العديد من الجوائز العالمية الرفيعة، منها جائزة الأغا خان للعمارة (Chairman’s Award) في عام 1980.
2-7- الرؤية الاجتماعية: آمن بأن العمارة يجب أن تكون جزءاً من حلول المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للناس، وليس مجرد شكل هندسي.
لقد شكّل رياض السنباطي، وكامل الشناوي، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والمهندس حسن فتحي، أعمدة أساسية في البناء الثقافي والفني والمعماري لمصر والعالم العربي في القرن العشرين. تراث السنباطي يظل معيارًا للذوق الموسيقي الرفيع، وأشعار الشناوي تعكس أصدق الوجدان الإنساني، وتلاوات الشيخ عبد الباسط هي صوت الهدى الذي يتردد صداه في كل بقاع الأرض، وعمارة حسن فتحي هي نداء مستمر للعودة إلى الأصالة والاستدامة. إنهم أربعة عظماء، جمعتهم الصدفة في تاريخ 30 نوفمبر، وبقيت إنجازاتهم خالدة وشاهدة على عبقرية مصر.
