بقلم د/ نبيل سامح
المقدمة
البـتروفـيزيـاء تُعَدّ أحد أهم فروع علوم البترول الحديثة، وهي الجسر الذي يربط بين الجيولوجيا، والجيوفيزياء، والهندسة البترولية. تهدف البتروفزياء إلى دراسة الخصائص الفيزيائية للصخور الخازنة (Reservoir Rocks) وتحديد قدرتها على خزن ونقل الموائع (النفط، الغاز، والماء).
فمن خلال تحليل البيانات المستخلصة من اللباب (Core Analysis) وقياسات الآبار (Well Logging)، يستطيع مهندسو البتروفزياء تقييم إنتاجية الطبقات وتحديد أفضل مناطق الاختراق والإنتاج.
أولاً: مفهوم البتروفزياء وأهميتها
كلمة Petrophysics مشتقة من كلمتين يونانيتين: Petra وتعني “الصخر”، وPhysics أي “الفيزياء”، أي علم فيزياء الصخور.
الهدف الأساسي للبتروفزياء هو توصيف الصخور الخازنة من حيث المسامية، النفاذية، تشبع السوائل، والسلوك الديناميكي للموائع داخل المسام.
وتكمن أهمية البتروفزياء في أنها تمثل المرحلة الأساسية لتقييم المكمن (Reservoir Evaluation)، إذ تسمح بفهم دقيق للعلاقة بين الخواص الصخرية والإنتاجية البترولية، مما يساعد في اتخاذ قرارات هندسية واقتصادية صحيحة أثناء التطوير والإنتاج.
ثانياً: الخصائص البتروفزيائية الأساسية
1. المسامية (Porosity):
هي النسبة المئوية لحجم الفراغات داخل الصخر إلى الحجم الكلي.
تنقسم إلى:
المسامية الأولية: التي تتكون أثناء ترسيب الصخور.
المسامية الثانوية: الناتجة عن عمليات لاحقة مثل التصدع أو الذوبان.
2. النفاذية (Permeability):
تمثل قدرة الصخر على تمرير الموائع عبر مسامه. تُقاس بوحدة الدارسي (Darcy).
علاقة المسامية بالنفاذية ليست مباشرة دائمًا، إذ قد تكون الصخرة ذات مسامية عالية لكنها قليلة النفاذية بسبب انسداد المسام بالطين أو المعادن.
3. التشبع (Saturation):
يعبّر عن نسبة حجم المائع الموجود داخل المسامات (نفط – غاز – ماء) إلى الحجم الكلي للمسام.
وتشمل:
تشبع الماء (Sw)
تشبع النفط (So)
تشبع الغاز (Sg)
4. المقاومة الكهربائية (Resistivity):
تُستخدم لتحديد تشبع الماء والنفط، إذ أن الماء المالح موصل جيد للكهرباء، بينما النفط والغاز عازلان.
ثالثاً: أدوات القياس البتروفزيائي
يتم جمع البيانات البتروفزيائية من خلال اللباب (Core Samples) والقياسات الجيوفيزيائية داخل البئر (Well Logs) مثل:
Gamma Ray Log: لتحديد نسبة الإشعاع وتقدير نوعية الصخور (رملية أو طينية).
Resistivity Log: لتحديد التشبع بالمياه والنفط.
Density Log & Neutron Log: لتقدير المسامية الفعلية.
Sonic Log: يستخدم لقياس سرعة الموجات الصوتية ومعرفة التماسك الصخري.
رابعاً: التطبيقات العملية للبتروفزياء
1. تقييم المكمن: تحديد سماكة الطبقات المنتجة ونسبة التشبع بالسوائل.
2. تحديد أماكن الحفر: اختيار أفضل مناطق الاختراق لتقليل المخاطر وزيادة الإنتاج.
3. تحسين عمليات الاستخلاص: من خلال تحديد المناطق التي تحتوي على النفط المتبقي بعد الإنتاج الأولي.
4. النمذجة المكمنية (Reservoir Modeling): إدخال البيانات البتروفزيائية في النماذج الرقمية لمحاكاة سلوك المكمن.
خامساً: التكامل بين البتروفزياء والذكاء الاصطناعي
مع تطور التكنولوجيا الرقمية، بدأ استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) وتعلم الآلة (Machine Learning) في تحليل البيانات البتروفزيائية.
فقد أصبح بالإمكان بناء نماذج ذكية تتنبأ بالمسامية والنفاذية من السجلات الكهربية دون الحاجة إلى تحليل اللباب المكلف.
كما تسهم هذه النماذج في تسريع عمليات التقييم وتقليل الخطأ البشري وتحسين دقة القرارات الهندسية.
سادساً: التحديات التي تواجه علماء البتروفزياء
التباين الكبير في الصخور الرسوبية.
عدم تجانس الطبقات في المكامن المعقدة.
صعوبة تفسير السجلات في وجود الطين أو الغاز.
محدودية البيانات اللبّية مقارنة بالسجلات الكهربية.
الخاتمة
البـتروفـيزيـاء ليست مجرد علم مساعد، بل هي العمود الفقري لفهم المكمن النفطي وتحديد جدواه الاقتصادية.
إن دمج التحاليل البتروفزيائية مع التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والنمذجة الجيولوجية المتقدمة أصبح اليوم حجر الأساس في تطوير الحقول وتحقيق أقصى مردود إنتاجي.
فكل قرار حفر أو تطوير ناجح يبدأ من قراءة صحيحة للصخرة ومسامها، أي من علم البتروفزياء.

