حوار صحفي أجراه: د.نادي شلقامي
أ.د. معتز عبد الرحمن عميد كلية الطب البيطري بجامعة المنيا ورئيس قسم الصحة العامة الأسبق بجامعة أسيوط، لـ “حديث وطن”: كيف نحمي أنفسنا من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان؟
في حوار حصري لجريدة “حديث وطن”، نستضيف قامة علمية بارزة في مجال الطب البيطري، الأستاذ الدكتور معتز الرحمن.
يُعدّ الدكتور معتز، بصفته عميد كلية الطب البيطري بجامعة المنيا ورئيس قسم الصحة العامة الأسبق بجامعة أسيوط، أحد أبرز الخبراء في موضوع الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.
خلال هذا الحوار، يسلط أ.د. معتز الرحمن الضوء على أهم طرق انتقال هذه الأمراض، وكيفية الوقاية منها، والدور الحيوي الذي يقع على عاتقنا جميعاً للحفاظ على صحتنا وسلامة مجتمعنا.
-بداية، نرجو من سيادتكم تقديم نبذة عن مفهوم الأمراض الحيوانية المنشأ. وما هي أبرز أنواعها التي قد لا يكون المواطن على دراية بها، وتنتشر في محيطه اليومي؟
الأمراض الحيوانية المنشأ هي التي تنتقل بين الإنسان والحيوان وتشمل فيروسات وبكتيريا وطفيليات وفطريات، ويزيد عددها على 800 مرض حسب الدراسات العالمية. من أهمها داء الكلب (السعار)، والسل البقري، والبروسيلا أو الحمى المالطية، وحمى الوادي المتصدع، والليبتوسبيرا، والتوكسوبلازما. وهذه الأمراض تنتقل غالبًا نتيجة التعامل المباشر مع الحيوانات أو منتجاتها دون وعي صحي كافٍ.
-كيف يمكن لهذه الأمراض أن تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان؟ وهل تختلف طرق انتقال الأمراض من حيوانات المزرعة مقارنةً بالحيوانات الأليفة؟
تنتقل عن طريق الملامسة المباشرة، أو استنشاق الرذاذ، أو تناول لحوم وألبان غير مطهية جيدًا، أو من خلال الحشرات مثل البعوض والقراد. تختلف طرق العدوى؛ فحيوانات المزرعة تنقل أمراضًا مثل البروسيلا والسل البقري، أما الحيوانات الأليفة فتنقل أمراضًا مثل التوكسوبلازما والسعار والديدان المعوية.
-بخبرتكم في صعيد مصر، ما هي أبرز الأمراض الحيوانية المنشأ التي تنتشر في هذه المنطقة، وكيف يمكن للمواطنين التعرف على أعراضها الأولية؟
في صعيد مصر تنتشر البروسيلا والسعار والسل البقري والطفيليات المعوية. على سبيل المثال، تظهر البروسيلا في الحيوان كإجهاض متكرر أو ضعف ونقص إنتاج، وفي الإنسان كحمى متقطعة وتعب وآلام مفاصل. أما السعار فيُميز بعصبية الحيوان المفرطة وتغير سلوكه، وهو مرض قاتل للإنسان ما لم يُؤخذ اللقاح فورًا بعد العقر.
-سمعنا كثيرًا عن أمراض مثل حمى الوادي المتصدع والسعار. هل يمكنكم شرح كيفية انتقال هذه الأمراض وخطورتها على الإنسان؟ وما هي الإجراءات الواجب اتخاذها في حال الشك بالإصابة؟
حمى الوادي المتصدع تنتقل عن طريق لدغ البعوض أو التعامل مع حيوانات مصابة، وتسبب ارتفاع حرارة وآلامًا حادة، وقد تؤدي إلى مضاعفات في الكبد أو العين وحتى الوفاة. ولا يوجد لقاح متاح على نطاق واسع للبشر ضدها، وتقتصر التجارب على حالات محدودة.
أما السعار فينتقل من عقر الكلاب أو القطط أو الحيوانات البرية، ونادرًا يمكن أن تنتقل العدوى من الأبقار المصابة، إلا أن الكلاب والقطط البرية هي المصدر الأكثر شيوعًا. وهو مرض قاتل إن لم يُعالج مبكرًا، ويجب عند التعرض للعقر غسل مكان الجرح بالماء والصابون والتوجه فورًا لأخذ جرعات اللقاح الوقائية.
-تنتشر ظاهرة الكلاب والقطط الضالة في المدن بشكل ملحوظ. فما هي الأمراض التي يمكن أن تنتقل من هذه الحيوانات، وما هي الإجراءات السليمة للتعامل معها لتفادي الخطر؟
الكلاب الضالة قد تنقل السعار والليشمانيا والطفيليات، أما القطط فتنقل التوكسوبلازما والفطريات الجلدية. وللوقاية يجب تجنب ملامستها، والإبلاغ عن التجمعات الخطرة، ودعم برامج التحصين والتعقيم. وتعمل الدولة من خلال وزارتي الزراعة والصحة ضمن خطة الصحة الواحدة بالتعاون مع WHO (منظمة الصحة العالمية) وWOAH (المنظمة العالمية لصحة الحيوان) والمنظمة الأفريقية للصحة الحيوانية (AHO) للحد من هذه المخاطر.
-هل هناك أمراض أخرى لا تحظى باهتمام إعلامي كافٍ، مثل داء الكلب أو طفيليات الجهاز الهضمي التي يمكن أن تنتقل من الحيوانات الأليفة؟
نعم، هناك أمراض مهمة لكنها غير مشهورة مثل الكريبتوسبوريديوم الذي يسبب إسهالًا شديدًا في الإنسان والحيوان، وداء السعفة أو القوباء الحلقية الذي يظهر كبقع دائرية في الجلد، وأيضًا بعض أنواع الطفيليات المعوية مثل الجيارديا والأميبيا. وهذه الأمراض تحتاج إلى وعي ونظافة شخصية ومتابعة بيطرية للحيوانات الأليفة.
-بصفتك رئيسًا سابقًا لقسم الصحة العامة بجامعة أسيوط، ما هي أبرز التحديات التي تواجه قطاع الطب البيطري في السيطرة على هذه الأمراض؟ وكيف يمكن تذليل هذه الصعوبات لضمان صحة المجتمع؟
أهم التحديات ضعف الوعي الصحي ونقص الكوادر البيطرية في المناطق الريفية. ويمكن التغلب عليها بتكامل الجهود بين وزارتي الصحة والزراعة، وتفعيل برامج المراقبة المشتركة والتطعيم الدوري، كما أن دعم الدولة لقطاع التعليم البيطري والبحث العلمي يساهم في حماية المجتمع وتحقيق التنمية الصحية المستدامة.
-دكتور، هل شهدت مصر مؤخرًا ظهور أمراض حيوانية منشأ مستجدة؟ وما هي التحديات التي تواجه الأطباء البيطريين والجهات الصحية في التعامل معها؟
لم تُسجل في مصر أمراض حيوانية منشأ جديدة في الفترات الأخيرة، وهناك تنسيق مستمر بين وزارة الصحة والتعليم العالي ممثلة في كليات الطب البيطري، ووزارة الزراعة، ومع منظمتي WHO وWOAH بشأن أي حالات تظهر من الأمراض المشتركة لضمان سرعة التعامل معها والسيطرة عليها.
-ما هي النصائح التي تقدمها للمربين وأصحاب المزارع لضمان سلامة حيواناتهم، وبالتالي حماية أنفسهم من العدوى؟
ينبغي الاهتمام بالتحصين الدوري، والنظافة العامة، والتخلص الآمن من النافق، وعدم التعامل المباشر مع إفرازات الحيوانات المريضة. كما يجب وجود إشراف بيطري دائم على المزارع طبقًا لقرارات وزارة الزراعة، لأن ذلك يحمي المجتمع من خطر انتشار الأمراض المشتركة ويضمن جودة الإنتاج الحيواني.
-ما هو دور الرقابة الوبائية والمسوحات الميدانية في الكشف المبكر عن هذه الأمراض قبل أن تنتقل إلى الإنسان وتسبب أزمة صحية؟ وهل هناك نظام فعال للإنذار المبكر في مصر؟
الرقابة الوبائية والمسوحات الميدانية أساس الكشف المبكر والسيطرة قبل الانتشار. وفي مصر يوجد نظام إنذار مبكر فعال يربط بين وزارة الصحة والزراعة، كما أن الدراسات الوبائية أصبحت تخصصًا مستقلاً داخل كلية الطب البيطري بجامعة المنيا لتعميق فهم الخريجين لتقييم الوضع الوبائي وتحسين كفاءة الإنذار المبكر بما يعزز حماية الصحة العامة.
-باعتبارك عميدًا لكلية الطب البيطري، ما هو الدور الذي تلعبه الكلية في مواجهة هذه الأمراض والتوعية بخطورتها؟
الكلية تنفذ حملات توعية مجتمعية وتشارك في التحاليل الميدانية، وتدرب الطلاب على التعامل مع الأمراض المشتركة، كما تدعم القيادة السياسية جهود التعليم والتدريب لتطوير أداء الكليات الطبية البيطرية في إطار رؤية مصر 2030 التي تهدف لبناء إنسان واعٍ وصحي.
-كيف يمكن تحقيق “مفهوم الصحة الواحدة”، والذي يربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، على أرض الواقع في مصر؟
يتحقق من خلال التعاون بين الأطباء البشريين والبيطريين وخبراء البيئة في برامج الرصد والتطعيم والتوعية. وقد بدأت مصر تطبيق هذا المفهوم فعليًا عبر اللجان المشتركة بين الوزارات وبالتنسيق مع WHO وAHO.
-ما هو التأثير الاقتصادي للأمراض الحيوانية المنشأ على الثروة الحيوانية في مصر؟ وكيف تؤثر على الأمن الغذائي للمواطنين؟
هذه الأمراض تقلل الإنتاج من لحوم وألبان، وتؤدي لخسائر اقتصادية وتزيد تكلفة العلاج، مما يؤثر على الأمن الغذائي والقدرة التصديرية. والوقاية منها تمثل استثمارًا يحافظ على الثروة الحيوانية واستقرار الأسواق الغذائية.
-في الختام، ما هي رسالتك الأهم التي تود توجيهها إلى المواطن المصري للحفاظ على صحته والتعايش الآمن مع الحيوانات في محيطه؟
الوقاية تبدأ بالوعي الشخصي، وغسل اليدين بعد ملامسة الحيوانات، وطهي اللحوم جيدًا، والابتعاد عن الحيوانات المريضة، مع الحرص على تحصين الحيوانات الأليفة والمتابعة البيطرية المنتظمة. وبجهود الدولة المتواصلة في رفع الوعي الصحي يمكن تحقيق بيئة آمنة وصحة مستدامة للجميع.
