بقلم: د. نبيل سامح
1. المقدمة
في السنوات الأخيرة، شهدت هندسة المكامن تطورًا متسارعًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتبسيط وحل المشكلات المعقدة في محاكاة تدفق الموائع داخل الصخور المسامية، خصوصًا في المكامن المتشققة. تعدّ النمذجة البديلة (Surrogate Modeling) من أهم الاتجاهات الحديثة التي تهدف إلى تقليل الوقت الحسابي المطلوب للمحاكاة التقليدية، مع الحفاظ على دقة النتائج
ومن أبرز الأساليب الحديثة في هذا المجال استخدام الشبكات العصبية المدعومة بالفيزياء (Physics-Informed Neural Networks – PINNs)، وهي منهجية تجمع بين الذكاء الاصطناعي والمعرفة الفيزيائية التي تحكم تدفق السوائل في المكامن
تهدف هذه المقالة إلى استعراض الإطار النظري لهذا المفهوم دون التطرق إلى دراسات حالة أو معادلات رياضية، مع التركيز على تطبيقه في المكامن المتشققة متعددة الأطوار
2. مفهوم النمذجة البديلة في هندسة المكامن
النمذجة البديلة هي تقنية تهدف إلى إنشاء نموذج رياضي أو ذكي يمكنه تقليد سلوك نموذج معقد بسرعة أكبر وبكلفة حسابية أقل.
في سياق هندسة المكامن، يُستخدم النموذج البديل ليحل محل المحاكاة العددية الكاملة التي غالبًا ما تكون بطيئة ومعقدة بسبب طبيعة التدفق المتعدد الأطوار والتفاعل بين المسامات والشقوق.
تعتمد هذه النماذج على بيانات محاكاة سابقة أو بيانات حقلية لتوليد نموذج يتنبأ بسلوك النظام تحت ظروف تشغيل مختلفة. ومع ظهور الشبكات العصبية، أصبحت النماذج البديلة أكثر قدرة على تمثيل الأنظمة غير الخطية التي يصعب التعبير عنها بمعادلات تحليلية بسيطة
3. الشبكات العصبية المدعومة بالفيزياء (PINNs)
تُعتبر الشبكات العصبية المدعومة بالفيزياء (PINNs) أحد أهم التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي الهندسي. على عكس الشبكات العصبية التقليدية التي تعتمد فقط على البيانات، فإن PINNs تدمج المعرفة الفيزيائية في عملية التدريب.
أي أن النموذج لا يتعلم فقط من البيانات التي يتم إدخالها، بل يلتزم أيضًا بالقوانين الفيزيائية التي تحكم الظاهرة المدروسة مثل قوانين حفظ الكتلة والطاقة والزخم.
بهذا الشكل، يصبح النموذج أكثر قدرة على التعميم حتى في حال محدودية البيانات، لأنه يعتمد على مبادئ فيزيائية راسخة وليس على البيانات فقط
في حالة تدفق الموائع في المكامن، يتم تدريب الشبكة العصبية بحيث تحاكي العلاقة بين الضغط، التشبع، والنفاذية، مع احترام السلوك الفيزيائي الحقيقي للموائع والصخور
4. التحديات في نمذجة التدفق متعدد الأطوار في المكامن المتشققة
تُعدّ المكامن المتشققة من أكثر الأنظمة تعقيدًا في الصناعة البترولية، نظرًا لوجود وسطين متفاعلين:
• الوسط المسامي (المصفوفة الصخرية)
• الوسط الشقي (الشقوق الطبيعية أو الاصطناعية)
يتحكم التفاعل بين هذين الوسطين في سلوك التدفق الكلي للسوائل (نفط، ماء، غاز). ويزداد التعقيد مع وجود تعدد الأطوار، حيث تتفاعل الموائع المختلفة داخل بيئات غير متجانسة زمنيًا ومكانيًا
المحاكاة التقليدية لهذه الأنظمة تتطلب حلولاً عددية معقدة لمعادلات جزئية تفاضلية عالية الأبعاد، مما يجعلها بطيئة جدًا وغير عملية للمراقبة اللحظية أو اتخاذ القرار السريع في حقول الإنتاج.
هنا يظهر دور الشبكات العصبية المدعومة بالفيزياء كحل بديل قادر على تسريع المحاكاة مع الحفاظ على مستوى مقبول من الدقة
5. كيفية تطبيق PINNs على تدفق الموائع في المكامن المتشققة
عند تطبيق الشبكات العصبية المدعومة بالفيزياء على هذا النوع من المكامن، يتم بناء نموذج يمثل العلاقة بين:
• الضغوط داخل المصفوفة والشقوق
• التغير الزمني في تشبع الأطوار
• معدلات التدفق بين الوسطين
تُدرّب الشبكة العصبية على بيانات محدودة من المحاكاة الفيزيائية أو من القياسات الحقلية، لكنها تلتزم في الوقت نفسه بالمعادلات الفيزيائية التي تصف سلوك التدفق داخل النظام المتشقق.
بهذا الأسلوب، يتم إنشاء نموذج قادر على التنبؤ بالمتغيرات الديناميكية لأي شرط تشغيل جديد دون الحاجة لإعادة المحاكاة الكاملة
ميزة هذا النهج أنه يجمع بين الدقة الفيزيائية والسرعة الحسابية، مما يجعله مناسبًا لتطبيقات التحكم الذكي في الإنتاج أو إدارة المكامن في الزمن الحقيقي
6. المزايا النظرية لاستخدام PINNs في النمذجة البديلة
من الناحية النظرية، تقدم الشبكات العصبية المدعومة بالفيزياء مزايا متعددة مقارنة بالنماذج العددية أو الإحصائية التقليدية، من أبرزها:
• دمج المعرفة الفيزيائية مع البيانات: مما يقلل الحاجة إلى مجموعات بيانات ضخمة.
• التعميم الجيد: النموذج يمكنه التنبؤ بحالات جديدة خارج نطاق البيانات المستخدمة في التدريب.
• الاستقرار العددي: لأن القيود الفيزيائية تمنع النموذج من الانحراف عن السلوك الواقعي للنظام.
• الكفاءة الحسابية العالية: بعد التدريب، يمكن للنموذج تقديم نتائج فورية دون الحاجة لحسابات تفاضلية طويلة.
• المرونة في دمج مصادر بيانات مختلفة: مثل بيانات الآبار، المسح الزلزالي، والقياسات الزمنية
هذه المزايا تجعل PINNs مثالية لتطبيقات النمذجة المتقدمة في الصناعة البترولية، خاصة في حقول الإنتاج المعقدة ذات التشققات الطبيعية الكثيفة
7. التحديات النظرية والعملية في استخدام PINNs
على الرغم من المزايا الكبيرة، تواجه تطبيقات الشبكات العصبية المدعومة بالفيزياء عدة تحديات:
• صعوبة التدريب: يتطلب النموذج وقتًا طويلاً للوصول إلى دقة عالية بسبب تعقيد العلاقات الفيزيائية.
• اختيار المعمارية المناسبة: تحديد عدد الطبقات والعُقد أمر حساس للغاية لتحقيق توازن بين الدقة والكفاءة.
• نقص البيانات الموثوقة: في بعض الحقول يصعب الحصول على بيانات عالية الدقة لمعايرة النموذج.
• التكامل مع الأنظمة الحقلية: يتطلب بناء بيئة رقمية متكاملة بين النماذج والأنظمة التشغيلية
مع ذلك، فإن التطور السريع في قدرات الحوسبة وتقنيات التعلم العميق يُبشّر بإمكانية تجاوز معظم هذه العقبات خلال السنوات القادمة
8. آفاق مستقبلية وتوجهات بحثية
من المتوقع أن تلعب الشبكات العصبية المدعومة بالفيزياء دورًا محوريًا في الجيل القادم من أنظمة إدارة المكامن الذكية.
في المستقبل القريب، يمكن أن تُدمج هذه النماذج مع:
• التوائم الرقمية (Digital Twins) للمكامن.
• أنظمة التحكم الذاتي في الإنتاج.
• تحليلات البيانات الزمنية من الحقل (Real-Time Analytics)
كما يُتوقع أن تُستخدم هذه النماذج في تصميم استراتيجيات الحقن الذكي وتحسين استرداد النفط (EOR) من خلال محاكاة ملايين السيناريوهات بسرعة فائقة دون اللجوء إلى الحوسبة الفائقة.
بالتالي، يمكن القول إن الجمع بين الذكاء الاصطناعي المدعوم بالفيزياء وعلم المكامن التقليدي سيفتح الباب أمام حقبة جديدة من الإدارة الرقمية الشاملة للحقول النفطية
9. الخاتمة
تُعدّ النمذجة البديلة باستخدام الشبكات العصبية المدعومة بالفيزياء (PINNs) ثورة فكرية وعلمية في مجال هندسة المكامن، إذ تجمع بين القوانين الفيزيائية الراسخة وقوة الذكاء الاصطناعي التنبؤية.
في المكامن المتشققة، حيث يتعقد سلوك التدفق بشكل كبير، توفر هذه النماذج حلاً متوازنًا يجمع بين الدقة الحسابية والسرعة التشغيلية
ورغم التحديات الحالية المرتبطة بتدريب النماذج وتوافر البيانات، فإن المستقبل القريب يشير إلى تطور واسع في تطبيقاتها، وصولاً إلى أن تصبح جزءًا أساسيًا من أدوات المحاكاة والتحكم في صناعة النفط والغاز.
بعبارة أخرى، إن دمج الذكاء الاصطناعي بالفيزياء ليس مجرد توجه تقني، بل تحول جذري في الطريقة التي تُدار بها المكامن النفطية، مما يعزز من كفاءة الإنتاج، ويقلل المخاطر التشغيلية، ويدعم استدامة موارد الطاقة في المستقبل
بقلم د. نبيل سامح
مدير تطوير الأعمال بشركة نيلكو
مدرب بترولي دولي معتمد
أستاذ في عدة شركات وأكاديميات تدريب استشارية، منها: إنفايرو أويل، وأكاديمية زاد، وديب هورايزون
محاضر في جامعات داخل مصر وخارجها
كاتب ومساهم بمقالات في قطاع البترول لمجلتي
Petrocraft وPetrotoday
