بقلم د.نادي شلقامي
التسامح ليس مجرد فضيلة أخلاقية عابرة أو خيار مؤقت، بل هو القوة الكامنة التي تحفظ نسيج المجتمعات وتضمن بقاء الحضارات. في عالم تتسارع فيه وتيرة الاختلافات وتتزايد فيه التحديات، يصبح التسامح ضرورة وجودية لا رفاهية سلوكية. إنه الميزان الذي يضبط العلاقة بين الفرد وذاته، وبين الأفراد ومجتمعاتهم، وبين الأمم والدول. فمن منطلق ديني راسخ وإنساني أصيل، يدعونا التسامح إلى تخطي حواجز العرق والدين واللغة، والانتقال من منطق الصراع إلى منطق التعايش البناء. يستكشف هذا التقرير الجذور العميقة للتسامح، دوافعه المستمدة من العقيدة والأخلاق، والآثار الإيجابية الهائلة التي تعكس ازدهاراً على كافة المستويات، مسلطاً الضوء بشكل خاص على تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة الرائدة التي حولت هذه القيمة إلى منهج عمل مؤسسي عالمي.
أولا…. ما هو التسامح؟ (المفهوم والجوهر)
التسامح هو احترام وقبول وإدراك ثراء وتنوع ثقافات عالمنا، وأشكال التعبير لدينا، وطرق التعبير عن إنسانيتنا.
1- الاعتراف بالآخر: الجوهر ليس في مجرد تحمل وجود المختلف، بل في الاعتراف بحقه في الوجود والاختلاف.
2- ليس ضعفاً أو حياداً: التسامح الحقيقي ينبع من القوة والإرادة الواعية، ولا يعني التنازل عن المبادئ، بل يعني الحوار والاحترام المتبادل.
3- قيمة أخلاقية وإنسانية: يمثل التسامح قمة الرقي الأخلاقي وهو ضرورة لـ تعزيز السلم والأمن الاجتماعي.
ثانيا…. الدوافع والأسباب الجوهرية للتسامح
التسامح ليس خياراً ترفيهياً بل هو ضرورة تمليها ثلاثة دوافع رئيسية:
أ. الدوافع الدينية:
1- الرحمة والعفو الإلهي: جميع الأديان السماوية تدعو إلى الرحمة والصفح ونبذ الكراهية.
2- التعامل بالتي هي أحسن: التأكيد على معاملة المسيئين بالحسنى ودفع الشر بالخير (كما في القرآن الكريم).
3- القاعدة الدينية للتعايش: اعتبار التسامح تطبيقاً عملياً للإيمان الذي يؤدي إلى السكينة في الدنيا والجزاء في الآخرة.
ب. الدوافع الإنسانية والأخلاقية:
1- الكرامة الإنسانية: الاعتقاد المطلق بكرامة الإنسان وحقه في الحرية والاختيار.
2- السلام الداخلي: التسامح يحرر الفرد من عبء الحقد والكراهية، مما يعزز صحته النفسية ويمنحه السكينة.
3- مبدأ القوة: هو دليل على النضج وضبط النفس، فالعفو عند المقدرة هو قمة الحكمة والقوة.
ج. الدوافع الحضارية:
1- بناء الجسور: ضرورة في عالم متعدد الثقافات لضمان التواصل الفعال بدلاً من الانعزال والصراع.
2- نبذ التطرف والكراهية: يمثل التسامح السد المنيع ضد الأفكار المتطرفة والإرهاب.
ثالثا…. الانعكاسات الشاملة للتسامح على الفرد والمجتمع والدول
للتسامح آثار إيجابية تمتد من النفس البشرية إلى السياسة الدولية:
أ. على الفرد:
1- الراحة النفسية والصفاء: التخلص من الطاقة السلبية للأحقاد.
2- التقدير الاجتماعي: كسب محبة واحترام الآخرين وزيادة الثقة بالنفس.
3- التطور الشخصي: القدرة على تجاوز الأخطاء والتركيز على البناء المستقبلي.
ب. على المجتمع:
1- توثيق الروابط الاجتماعية: بناء مجتمع متماسك وقوي رغم الاختلافات الداخلية (عرقية، دينية، ثقافية).
2- خفض معدلات الجريمة والنزاعات: مجتمع يحترم التنوع هو مجتمع أكثر استقراراً وأماناً.
3- تعزيز الإبداع والابتكار: التسامح يخلق بيئة مفتوحة ترحب بالأفكار الجديدة والنقد البناء.
ج. على الدول:
1- الاستقرار السياسي والأمني: التسامح بين المكونات يقلل من الصراعات الأهلية ويحفظ الأمن.
2- الازدهار الاقتصادي: جذب الاستثمارات والكفاءات العالمية للعمل في بيئة آمنة وعادلة ومحايدة.
3- المكانة الدولية: ترسيخ مكانة الدولة كقوة ناعمة ومركز إشعاع حضاري ومنبر للحوار العالمي.
رابعا… التسامح في دولة الإمارات العربية المتحدة: نموذج مؤسسي رائد
حولّت الإمارات قيمة التسامح من شعار إلى منهج عمل ومؤسسات راسخة، ليكون ركيزة أساسية في هويتها الوطنية:
أ. التأسيس المؤسسي:
1- وزارة التسامح والتعايش (2016): الإمارات هي الدولة الأولى عالمياً التي أنشأت وزارة متخصصة لترسيخ هذه القيمة.
2- عام التسامح 2019: إعلان العام لتعزيز المبادئ في التشريعات والمؤسسات والمناهج التعليمية.
3- قانون مكافحة التمييز والكراهية: سن تشريعات تضمن الحماية الكاملة لجميع المقيمين من أي شكل من أشكال التمييز على أساس الدين أو العرق أو الأصل.
ب. أشكال التسامح الحضاري في الإمارات:
1- وثيقة الأخوّة الإنسانية: استضافة توقيع الوثيقة التاريخية بين قادة الأديان (بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر) في أبوظبي.
2- بيت العائلة الإبراهيمية: تشييد مجمع يضم مسجداً وكنيسة وكنيساً يهودياً، رمزاً للتعايش بين الأديان التوحيدية .
3- تسهيل ممارسة الشعائر: توفير أماكن العبادة بحرية كاملة لأكثر من 200 جنسية وديانات مختلفة.
ج. انعكاسات النموذج الإماراتي:
1- على المواطن والمقيم: توفير بيئة عمل وحياة ذات جودة عالية، حيث يشعر الجميع بالأمان والاحترام الكامل للحقوق.
2- على الدولة (الوالد): تعزيز قوة الاتحاد وتماسكه، وترسيخ بيئة مستقرة جاذبة للاستثمار والابتكار.
3- على المستوى الدولي والعالمي: جعل الإمارات جسراً للتواصل الثقافي والحضاري ومركزاً عالمياً لنشر رسالة السلام والاعتدال، مما يعزز مكانتها كشريك موثوق به دولياً.
خامسا.. دور الشباب في ترسيخ ونشر قيم التسامح:
الشباب هم عماد المستقبل والجيل الأكثر قدرة على صهر الثقافات ونشر رسائل السلام، ويقع على عاتقهم دور محوري في تفعيل التسامح:
أ. التفاعل الإيجابي في البيئة الرقمية:
1- مكافحة خطاب الكراهية: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسائل إيجابية ومحاربة التنمر والتعصب وخطاب الكراهية على الإنترنت.
2- الحوار الافتراضي: الانخراط في حوارات بنّاءة مع ثقافات وجنسيات مختلفة عبر المنصات الرقمية لزيادة الفهم المشترك.
ب. المشاركة المجتمعية الفعالة:
1- مبادرات التعايش: إطلاق وتنظيم الفعاليات التي تجمع الشباب من خلفيات متنوعة (أندية، تطوع، أنشطة رياضية).
2- التطوع والخدمة: العمل التطوعي المشترك لخدمة المجتمع يعزز الشعور بالوحدة الوطنية ويتجاوز الاختلافات السطحية.
ج. دور المؤسسات التعليمية في صقل الشباب:
1- المناهج التفاعلية: دمج قصص ودروس عملية عن التسامح والتعايش في المناهج، وتدريب الشباب على تقبّل النقد والاختلاف.
2- برامج التبادل الثقافي: تشجيع الشباب على المشاركة في برامج تتيح لهم التعرف على ثقافات ولغات أخرى مباشرةً.
“في الختام، يتضح أن التسامح هو أكثر من مجرد سياسة حكومية أو قانون يُسنّ؛ إنه ثقافة متجذرة يجب أن تُغرس في النفوس، وتُروى بالتعليم، وتُطبَّق في كل مفصل من مفاصل الحياة. لقد أثبتت التجربة، وخاصة النموذج الذي قدمته دولة الإمارات بإنشاء وزارات متخصصة ومبادرات كبرى مثل بيت العائلة الإبراهيمية ووثيقة الأخوّة الإنسانية، أن التعايش السلمي ليس حلماً بعيد المنال، بل هو واقع يمكن بناؤه وتطويره باستمرار. التسامح هو الاستثمار الأهم في المستقبل؛ فهو الذي يضمن الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي للدول، ويمنح الأفراد سكينة العيش واحترام الذات. وعليه، فإن مسؤولية ترسيخ هذه القيمة تظل قائمة ومستمرة على عاتق الأجيال الشابة، ليبقى العالم منارة للقبول والرحمة والمحبة.
