د. إيمان بشير ابوكبدة
تُعتبر صقلية، قلب المتوسط، متحفًا مفتوحًا يحكي قصص حضارات لا حصر لها – من الفينيقيين والإغريق والرومان إلى العرب والنورمانديين والبوربون. هذا الإرث الثقافي والطبيعي الغني ليس مُسجلاً فقط في صفحات التاريخ، بل يتجسد في سبعة مواقع مذهلة مُدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
أغريجنتو وبانتاليكا: إرث أثري يمتد من اليونان القديمة إلى عصور ما قبل التاريخ
تبدأ الرحلة الأثرية من وادي المعابد في أغريجنتو (موقع لليونسكو منذ 1997)، وهو مشهد ساحر حيث تقف أعمدة معبدي كونكورد وجونو شامخة، مُثيرَة أشباح الماضي وآلهة الأوليمب. زيارة هذا الموقع تمنح شعوراً بالانغماس في مشهد تاريخي مُعلق بين الأسطورة والواقع، وتُعد محطة لا غنى عنها في جنوب الجزيرة.
يتجه المسار شرقاً نحو سيراكيوز ومقبرة بانتاليكا (موقع لليونسكو منذ 2005). تُقدم سيراكيوز فصولاً من الهيمنة الرومانية والبيزنطية والعربية والنورماندية، وتُزدهر بمسرحها الذي يستضيف عروضاً للمآسي اليونانية. أما بانتاليكا الأقل شهرة، فتسيطر عليها أجواء ما قبل التاريخ، حيث يضم وادي نهر أنابو وكالشينارا أكثر من 5000 مقبرة كهفية منحوتة في الصخور، شاهدة على حضارات اختفت بين القرنين الثامن والثالث عشر قبل الميلاد.
تألق الحضارة العربية النورماندية في باليرمو، مونريالي، وتشيفالو
يُشكل المسار العربي النورماندي (موقع لليونسكو منذ 2015) توليفة فنية ومعمارية لا مثيل لها، تعكس ذروة الاندماج الثقافي في صقلية.
تشيفالو: تبدأ الرحلة من كاتدرائيتها المهيبة، التي يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر، وتتميز بأبراجها المزدوجة وتمثال المسيح ضابط الكل (بانتوقراطور) في المحراب، وهي ثمرة نذر قطعه الملك روجر الثاني.
باليرمو: هي القلب النابض لهذا المسار، حيث تتألق الكنيسة البلاطية في القصر النورماندي بفسيفسائها البراقة وسقفها المزين بالمقرنصات. تشمل العجائب الأخرى كنيسة سان جيوفاني ديجلي إريميتي ومارتورانا وجسر الأدميرال، وكلها شواهد على تلاقي الفنون في هذه المدينة العريقة.
مونريالي: على بُعد بضعة كيلومترات، تقع كاتدرائية مونريالي، التي أُنشئت بأمر من ويليام الثاني. تُعد الفسيفساء الذهبية المنتصرة داخل الكاتدرائية كنزاً حقيقياً، وتُجسّد انتصار الفن النورماندي المتأثر بالتقاليد البيزنطية.
3. روعة فن الباروك في فال دي نوتو وكنوز فسيفساء بيازا أرميرينا
تُعتبر مدن وادي نوتو التي تعود إلى أواخر عصر الباروك (موقع لليونسكو منذ 2002) مسرحاً معمارياً يتحول فيه الحجر إلى فن. هذه المدن الثماني (راغوزا، موديكا، نوتو، شيكلي، إلخ)، التي وُحدت بفضل إعادة البناء بعد زلزال عام 1693، تُشكل مثالاً فريداً على وحدة الأسلوب الباروكي الأوروبي مع تفسير صقلي خاص. لكل مدينة سحرها الفريد الذي يستحق الاكتشاف.
بالانتقال إلى حقبة أقدم، نصل إلى فيلا رومانا ديل كاسالي في بيازا أرميرينا (موقع لليونسكو منذ 1997)، والتي تُقدم جانباً آخر من تاريخ الجزيرة. هذا المسكن الروماني الفخم يضم أكثر من 3500 متر مربع من فسيفساء الأرضيات المحفوظة ببراعة، لتكون بمثابة موسوعة مصورة للحياة والسلطة في الإمبراطورية الرومانية المتأخرة، وتتضمن مشاهد لا متناهية من الصيد والألعاب الرياضية والقصص الرمزية.
إتنا والجزر الإيولية: الطبيعة في أبهى صورها
تتحول الطبيعة إلى تحفة فنية عند جبل إتنا (موقع لليونسكو منذ 2013)، أطول بركان نشط في أوروبا. لقد شكّلت ثوراناته الهائلة وغير المتوقعة مشهداً طبيعياً ذا قوة عظيمة، حيث تتدفق الحمم نحو البحر، وتنمو الغابات من الرماد القديم، وتُنتج الأرض ثماراً لذيذة. إتنا هو مختبر طبيعي للطاقة والتحول، يُجسد قوة الحياة في صقلية.
شمالاً، في البحر التيراني، يقع أرخبيل الجزر الإيولية (موقع لليونسكو منذ 2000) – مثل سترومبولي، فولكانو، وليباري – وهي عجيبة أخرى نُحتت بفعل النار والبحر. تُعد هذه الجزر متحفاً جيولوجياً في الهواء الطلق، حيث تحكي كل جزيرة قصة بركانية مختلفة، وتتجسد فيها الطبيعة بجمال بري دائم التغير.

