بقلم: أحمد رشدي
لم يكن علي خليل سالم أسمر الملامح،
ولا وُلِد في بلاد النوبة، لكن طريقه كان يُخطّه القدَر بيدٍ لا تُشبه يد البشر.
جاء إلى الدنيا عام 1887 في حارة صغيرة من حواري السيدة زينب،
طفلاً مصرياً عادياً لا يوحي بشيء سوى بساطة المكان ودفء الناس.
كبر علي، وتعلّم «السروجية» كما أراد له والده، ثم حملته الحياة إلى مقهى صغير، وهناك… بين دخان الشيشة وضحكات الزبائن، التقى النوبيين الذين غيّروا مجرى حياته. تعلّق بلهجتهم، حفظ نطقهم، وراق له عالمهم، حتى صار جزءاً منه.
كان يقف أمام المرآة كل مساء، يُغرق وجهه في صبغة داكنة، يرتدي الجلابية، يمالئ الطربوش قليلاً، ويُتمّ ملامح رجلٍ لم يكن يشبهه… لكنه كان قدَرَه: عثمان عبد الباسط.
تلك الشخصية التي جعلت مصر كلّها تحفظ صوته، وتضحك من قلبها، وتُقلّد خطواته قبل أن تُقلّد كلماته.
كان يدخل المسرح فيسكت الجميع برهة… ثم تنفجر القاعة بضحك خالص، ضحك لا يُشبه زمن السوشيال ميديا ولا نكات المصادفة… ضحك صادق يولد من روح رجل يعرف كيف يهب الفرح.
نافس نجيب الريحاني، ملأ المسارح، قدّم ما يزيد على مئة وستين عرضاً، وغنى، ومثّل، ووقف أمام كاميرات السينما في زمن صعب… حتى صار ركناً من أركان الكوميديا المصرية، وشاهداً على عصراً لا يعود.
لكن الزمن، كما يفعل دائماً، غيّر الاتجاه…
كبر علي الكسّار، ومرض جسده، وضعفت خطواته، فتراجع عنه الضوء. المخرجون نسوه، والمنتجون لم يعودوا يطرقون بابه،
والجمهور جرّب وجوهاً جديدة ونسي أول من أهداه المعنى الحقيقي للضحك.
وفي سريرٍ بارد في القصر العيني،
كان هناك رجلٌ تعب من كل شيء إلا من الابتسام. وحين سألوه عن حاله، قال جملته التي كسرت قلوب الجميع:
“أنا الآن في السادسة والستين… وقد نسيني المخرجون… والحمد لله.”
قالها بابتسامة عثمان عبد الباسط…
تلك الابتسامة التي لم تجرح أحداً يوماً.
ورحل علي الكسّار عام 1957 في صمتٍ يليق بالكبار… بلا كاميرات، بلا وداعٍ صاخب،
بلا مسرح يغلق أبوابه من أجله.
لكن شيئاً واحداً لم يرحل:
ضحكته التي بقيت معلّقة في ذاكرة المصريين، وشخصيته التي لم تُمحَ، وتاريخه الذي يشهد أنه كان أحد أنضر الوجوه التي عبرت مسرح الفن المصري…
الوجه الذي صنع الضحك من الظلال.
