د.نادي شلقامي
القارة البيضاء تحت الحصار
تواجه الولايات المتحدة الأمريكية واحدة من أقسى الأزمات الطبيعية في تاريخها الحديث، حيث أحكمت العاصفة الثلجية التاريخية التي أُطلق عليها اسم “فيرن” (Fern) قبضتها على مساحات شاسعة من البلاد. من حدود تكساس جنوباً إلى نيو إنجلاند شمالاً، تحولت المدن الأمريكية إلى “ساحات جليد” وسط تحذيرات رسمية من أن الأسوأ لم يأتِ بعد، في ظل انخفاض درجات الحرارة إلى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ عقود، ليعيش الحلم الأمريكي كابوساً متجمداً تحت وطأة “وحش الشمال”.
— ما هي العاصفة “فيرن” ؟
وحجم الكارثة الميدانية….؟
1- طبيعة العاصفة وظاهرة “الإعصار القنبلة”:
تُصنف “فيرن” كعاصفة قطبية تاريخية نظراً لامتدادها الجغرافي الذي تجاوز 2000 ميل. وقد تحولت إلى ما يُعرف بـ “الإعصار القنبلة” (Bomb Cyclone)، حيث انخفض الضغط الجوي بمعدل يتجاوز 24 مليبار في أقل من 24 ساعة، مما أدى إلى رياح عاتية وثلوج كثيفة بلغت في بعض المناطق مثل بنسلفانيا وماساتشوستس أكثر من 60 سنتيمتراً.
2- إحصائيات الخسائر البشرية والميدانية (تحديث يناير 2026):
— الحصيلة البشرية: بلغت الوفيات الموثقة حتى الآن 64 حالة وفاة، تتركز أسبابها بين حوادث الطرق المروعة، الغرق في برك جليدية، وحالات تجمد (Hypothermia) نتيجة غياب التدفئة.
— انقطاع التيار الكهربائي: يعيش أكثر من 1.4 مليون مشترك في ظلام دامس وبرد قارس، خاصة في ولايات الجنوب مثل تكساس ولويزيانا، بسبب تجمد توربينات الرياح وخطوط الغاز وتحطم أبراج الطاقة.
— شلل حركة الطيران: سُجل إلغاء أكثر من 18,200 رحلة جوية، مما أدى إلى توقف تام في مطارات شيكاغو ودنفر ونيويورك.
— درجات حرارة قياسية: سجلت ولاية “مونتانا” أدنى درجة حرارة بلغت 48 درجة مئوية تحت الصفر، مع رياح قطبية تجعل ملامسة الهواء للجلد أمراً مستحيلاً.
— الخسائر الاقتصادية: تُقدر الخسائر الأولية بـ 8 مليار دولار، شملت قطاعات الطاقة، النقل، وتلفاً واسعاً في المحاصيل الزراعية.
3- التهديدات الأمنية والمرورية:
— الجليد الأسود: حذرت السلطات من “الجليد الأسود” القاتل، وهو طبقة شفافة تتكون على الإسفلت وتتسبب في رفع معدل الحوادث المرورية بنسبة 300%.
— استجابة الدولة: أعلن الرئيس الأمريكي حالة الطوارئ الفيدرالية في أكثر من 20 ولاية، مع استنفار كامل لقوات الحرس الوطني وفرق البحث والإنقاذ التابعة لوكالة “فيما”.
— صراع البقاء فوق الجليد
يرى الخبراء أن العاصفة “فيرن” ليست مجرد موجة برد عابرة، بل هي اختبار حقيقي لهشاشة البنية التحتية الأمريكية أمام تطرف المناخ. عجز شبكات الطاقة في الولايات الجنوبية يضع علامات استفهام كبرى حول الجاهزية المستقبلية، بينما يظل المواطن الأمريكي هو الحلقة الأضعف في مواجهة هذا “الوحش القطبي” الذي لم يترك خياراً للكثيرين سوى الصمود داخل منازل معزولة عن العالم.
وختاما… في انتظار انكسار الموجة
بينما تحاول فرق الإغاثة شق طريقها عبر التلال الثلجية، يظل القلق سيد الموقف مع توقعات الأرصاد باستمرار موجة البرد القارس حتى أوائل فبراير. تظل “القيامة البيضاء” التي تضرب أمريكا الآن درساً قاسياً في قوة الطبيعة، بانتظار لحظة انحسار الجليد للكشف عن الحجم الكامل للدمار الذي خلفته “فيرن” في قلب القارة.
