كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة
كانت إسكندرية عام 1919 تعيش في ظل سر غامض. نساءٌ يختفين فجأةً من شوارع الحي اللبان، بلا أثر، كأن الأرض قد ابتلعتهن. لكن الأرض، في بيتين متواضعين، كانت تخفي سراً مرعباً.
ريا وسكينة، شقيقتان قدمتا من صعيد مصر بوجهين ودودين وقلبين من حجر. لم تكن تشي ملامحهما بالوحشية الكامنة بداخلهما. كانت خطتهما بسيطة ومحكمة: اصطياد من ترتدي ذهباً.
كانت البداية دائمًا بدعوة ودية لتناول الشاي أو المسامرة. داخل البيت، تبدأ المسرحية. كأس شاي أو قهوة أو خمرة ممزوج بمخدر، أو حديث يلهي الضحية، حتى تغرق في سبات لا تفيق منه. ثم يأتي دور الرجال – الأزواج والشركاء – لتثبيت الفريسة. وهنا تبرز القسوة الحقيقية: كانت ريا وسكينة تشاركان شخصياً في خنق ضحاياهما بقطع من القماش، ببرودة دم.
بعد نزع الذهب والأموال، يبدأ الفصل الأخير. في زوايا المنزل ذات الأرضية الرملية، تحفر القبور. تُلقى الجثة، وينثر عليها الجير الحي ليمتص السوائل ويخفي الرائحة، ثم تُردم بعناية فائقة. تُمهد الأرضية من جديد، لتعود غرفة المعيشة كما كانت، مكاناً للضيافة على سطح مقبرة.
لأكثر من عامين، استمرت الحفلات الدموية. سبعة عشر امرأة اختفت. كان الشاهد الوحيد على كل شيء هو الطفلة الصغيرة، ابنة ريا، التي عاشت بين الموتى. لاحظت التلال الغريبة تحت أقدامها في الأرضية، وسمعت الأصوات المكتومة ليلاً، وشاهدت نظرات الرعب التي سرعان ما تختفي. شهادتها البريئة كانت المفتاح الذي حطم جدار الصمت.
كشفت المحاكمة عن آلة قتل منظمة تديرها النساء وتنفذها أيادٍ ذكورية. واجه القاضي وحشية نادرة في التاريخ الإجرامي. وفي ديسمبر 1921، استقبل سجن الإسكندرية حشوداً لم تشهد مثلها لتنفيذ الحكم: الإعدام شنقاً لريا وسكينة وزوجيهما.
تنفست الإسكندرية، لكن ظلال صائدتي الذهب ظلت تتسلل في حكايات الليل، تذكيراً بأن أقسى الجرائم قد تنبت في أكثر الأماكن أماناً: تحت قدميك، في بيت الجار، خلف ابتسامة دعوة للشاي.
