مصطفى حشاد
في ليلة غلب عليها الحزن الممزوج بالرضا بقضاء الله، ودعت ليلة أمس قرية المقاطع التابعة لمركز الباجور بمحافظة المنوفية، علماً من أعلامها البارزين، وأحد أعظم حفظة كتاب الله، الشيخ ماهر سليمان الزيات، الذي رحل عن عالمنا تاركاً إرثاً نورانياً سيظل محفوراً في قلوب تلاميذه ومحبيه.
لم يكن الشيخ ماهر مجرد محفظ للقرآن الكريم، بل كان مؤسسة قرآنية تمشي على الأرض. أفنى عمره في خدمة كتاب الله، متنقلاً بين الآيات، معلماً للأجيال، حريصاً على ضبط الحروف وإقامة الحدود. عُرف عنه الورع والزهد، وكانت ملامحه السمحة تعكس طمأنينة أهل القرآن الذين “هم أهل الله وخاصته”.
بمشاعر يملؤها الشجن، شيع الآلاف من أهالي القرية والقرى المجاورة جثمان الفقيد في مشهد جنائزي مهيب، حيث تسابق تلاميذه الذين أصبحوا الآن شباباً ورجالاً لحمل نعش شيخهم الذي وضع في صدورهم نور الهداية. كانت الدموع هي اللغة السائدة، ليس اعتراضاً، بل تقديراً لرجل قضى جل حياته بين “قال الله” و”قال الرسول”.
رحل الشيخ والأستاذ ماهر سليمان الزيات بجسده، لكن صوته سيبقى يتردد في تلاوات تلاميذه الذين ينتشرون في شتى بقاع المحافظة، حاملين إجازاته وإسناده. ترك خلفه “صدقة جارية” لا تنضب، متمثلة في كل حرف يُتلى من مصحف علمه لغيره.
إن فقدان هؤلاء الرجال يمثل ثلمة في جدار الأمة، لكن عزاءنا أنهم أحياء عند ربهم، وفي قلوب من تعلموا على أيديهم، رحم الله الشيخ ماهر الزيات، وجعل القرآن شفيعاً له، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين.
