كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة
على مرّ العصور، تحوّلت شجرة الميلاد من طقس شتوي ارتبط بحضارات شمال أوروبا القديمة، إلى رمز موسمي ينتشر في المنازل والشوارع حول العالم خلال شهر ديسمبر. ومع أن هذا الرمز يرتبط اليوم بالاحتفالات المسيحية، إلا أن جذوره أقدم بكثير، وتمتد إلى عادات ثقافية وطقوس طبيعية كانت تُعبّر عن انتصار الحياة على قسوة الشتاء.
القصة التاريخية لشجرة الميلاد
يعود أقدم ظهور معروف لفكرة “الشجرة المزيّنة” إلى المجتمعات الإسكندنافية القديمة، التي اعتادت الاحتفاء بالأشجار دائمة الخضرة خلال الانقلاب الشتوي، باعتبارها رمزًا للصمود واستمرار الحياة رغم برودة الطقس. ومع انتقال هذه العادة إلى المناطق الألمانية بمرور الزمن، ترسخت مكانة الشجرة في الاحتفالات الشتوية، وأصبحت جزءًا من مظاهر البهجة الموسمية.
وفي القرن الثامن، يُروى أن المبشّر بونيفاس خلال رحلاته إلى تلك المناطق سعى لمحاربة الطقوس الوثنية القائمة، فقطع شجرة البلوط التي كان السكان يقدّسونها، واستبدل بها شجرة صنوبر ترمز حسب الروايات المسيحية إلى الحياة الأبدية. وبعد ذلك بقرون، أضاف مارتن لوثر الشموع إلى الشجرة، لتصبح مصدرًا للأضواء التي عُرفت لاحقًا.
الأصول والرمزية القديمة
المصريون القدماء: زينوا منازلهم بأغصان النخيل خلال احتفالات الانقلاب الشتوي كرمز لانتصار الحياة على الموت.
الرومان القدماء: زينوا منازلهم بالفروع الخضراء تكريمًا لإله الزراعة “ساتورن” في احتفالات اقتراب الانقلاب الشتوي.
الجرمانيون القدماء: قطعوا الأشجار وزينوها في منازلهم للاحتفال ببداية الشتاء في 25 ديسمبر.
الدلالة الرمزية في التراث المسيحي
مع مرور الزمن، تبنّت الديانة المسيحية الشجرة كرمز للاحتفال بميلاد المسيح. وارتبطت بعض عناصرها بالمعاني الدينية:
الأضواء: تشير إلى “نور الهداية”.
النجمة في الأعلى: ترمز إلى “نجم بيت لحم”.
الشكل الهرمي: غالبًا ما يُفسَّر بأنه يرمز للثالوث في الإيمان المسيحي.
كيف وصلت الشجرة إلى العالم الجديد؟
من ألمانيا، انتقلت الفكرة إلى إنجلترا، ثم إلى أمريكا الشمالية مع المهاجرين. ومع انتشار النفوذ البريطاني، بدأت الشجرة بالظهور تدريجيًا في البيوت الأوروبية والأمريكية. وفي المكسيك، اكتسبت حضورًا أكبر حين أدخل الإمبراطور ماكسيميليان هذا التقليد إلى القصر الإمبراطوري، لينتشر بين العائلات الثرية، ثم بين عامة الناس لاحقًا.
شجرة الميلاد الحديثة: بين سانتا كلوز وثقافة الاستهلاك
في القرنَين التاسع عشر والعشرين، ظهر ارتباط قوي بين الشجرة وشخصية “سانتا كلوز” المعروفة اليوم. وقد لعبت الأدبيات الأمريكية والإعلانات التجارية دورًا كبيرًا في ترسيخ هذا الارتباط، إلى درجة أن الشجرة أصبحت عنصرًا رئيسيًا في مواسم التسوق والاحتفال العائلي.
متى تُزيّن الشجرة؟
في الثقافة الغربية، يتفاوت موعد وضع الشجرة بين:
بداية شهر ديسمبر.
فترة ميلاد المسيح (وتختلف سنويًا).
الثامن من ديسمبر في احتفال معين لدى الكاثوليك.
وبينما لا ينتمي هذا التقليد إلى الثقافة الإسلامية، يبقى التعرف على طقوس الشعوب الأخرى جزءًا من المعرفة الإنسانية.
موقع الشجرة وزينتها
لا يحدد التقليد الغربي مكانًا ثابتًا للشجرة، إلا أن مدارس مثل “فنغ شوي” تقترح وضعها في أماكن تعزز الإحساس بالطاقة الإيجابية، مثل مناطق الجلوس في المنزل. أما الزينة، فقد تطورت عبر القرون؛ فبعد أن كانت التفاح الأحمر رمزًا للجنة في الرواية المسيحية، استُبدلت لاحقًا بكرات زجاجية ثم بلاستيكية مع تطور الصناعة.
شجرة طبيعية أم اصطناعية؟
تتباين الخيارات بين:
الشجرة الطبيعية: رائحتها منعشة ومظهرها حيوي، لكنها تحتاج عناية، ولا تأتي دائمًا من مصادر مستدامة.
الشجرة الاصطناعية: توفر تنوعًا كبيرًا في الألوان والأشكال، ويمكن استخدامها لسنوات طويلة، لكنها صنعت عادةً من مواد غير صديقة للبيئة.
