دارين محمود
تواصل الدنمارك، التي تُعد موطناً لإحدى أكبر شركات الأنسولين عالمياً، ريادتها في مجال الابتكار الطبي من خلال تطوير تقنيات جديدة تهدف إلى تحسين جودة حياة مرضى السكري. يبرز هذا التطور بشكل خاص في مجال توصيل الأنسولين ومراقبة الجلوكوز، حيث تسعى الأبحاث الجارية لاستبدال الحقن اليومي ببدائل أكثر راحة وفعالية، لعل أبرزها “لاصقات السكر” المبتكرة.
تندرج هذه الابتكارات ضمن فئة واسعة تُعرف بـ “أنظمة توصيل الدواء عبر الجلد” (Transdermal Drug Delivery)، وتعتمد بشكل رئيسي على تقنية الإبر الدقيقة (Microneedles). هذه الإبر ليست كالإبر التقليدية، بل هي هياكل مجهرية، لا يتجاوز طولها المليمتر الواحد، وهي صغيرة بما يكفي لتخترق الطبقة العليا من الجلد دون الوصول إلى النهايات العصبية، مما يجعل العملية غير مؤلمة تقريباً.
الآلية المزدوجة للاصقات السكر
تعمل اللاصقات الدنماركية وغيرها من النماذج المتقدمة على تحقيق هدفين رئيسيين:
المراقبة المستمرة: تحتوي بعض النماذج على مستشعرات قادرة على قياس مستوى الجلوكوز في السائل الخلالي أسفل الجلد بشكل مستمر. هذا يلغي الحاجة لوخز الإصبع المتكرر، ويوفر بيانات دقيقة للمريض والطبيب، مما يساهم في إدارة السكر بشكل أفضل.
توصيل الأنسولين الذكي: يمثل هذا الجانب نقطة التحول الأهم. تحتوي اللاصقة على خزانات دقيقة من الأنسولين، تكون محملة على الإبر الدقيقة. الميزة الثورية هنا تكمن في خاصية “الاستجابة للجلوكوز” (Glucose-Responsive). حيث تقوم هذه اللاصقات بتحرير الأنسولين تلقائياً وفوراً عندما ترتفع مستويات الجلوكوز فوق حد معين. هذا النهج يهدف إلى محاكاة وظيفة البنكرياس الطبيعية، مما يقلل من مخاطر الجرعة الزائدة أو الناقصة ويحسن من التحكم العام في مستوى السكر في الدم.
التأثير على جودة حياة المرضى
يُنتظر من تطبيق هذه التكنولوجيا على نطاق واسع أن يُحدث تحولاً جذرياً في تجربة مرضى السكري، خاصة أولئك الذين يعتمدون على الأنسولين. تشمل الفوائد المتوقعة ما يلي:
الحد من العبء النفسي والجسدي: التخلص من آلام الإبر المتكررة والروتين اليومي الشاق للحقن.
زيادة الالتزام بالعلاج: نظراً لسهولة استخدام اللاصقة وكونها أقل تدخلاً في الحياة اليومية، فمن المتوقع أن يرتفع معدل التزام المرضى بخطط العلاج.
تحكم فسيولوجي أدق: توفير جرعات الأنسولين بدقة فائقة وبشكل يتزامن مع حاجة الجسم الفعلية، مما يقلل من تقلبات السكر.
تُعد هذه اللاصقات خطوة عملاقة نحو تحقيق “البنكرياس الاصطناعي” غير الجراحي، وتؤكد على دور الابتكار الدنماركي في دفع حدود الرعاية الصحية لملايين الأشخاص حول العالم.
