بقلم : أحمد رشدي
يضيء كتاب علاء الجابري وجوه لا تغيب بورتريهات في محبة مبدعين مساحات خفية في حياة رموز ثقافية وفنية تركوا علامات لا تُمحى في الوعي العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين إذ يتتبع المؤلف مسيرات ستة عشر اسماً صنعوا من الحضور الفكري والإبداعي جسراً ممتداً بين أجيال الثقافة العربية مقدماً صوراً قلمية تمزج المعرفة بالتأمل وتغوص في أعماق شخصيات ظلت حاضرة رغم رحيل أصحابها
يبتعد الجابري في هذا العمل عن التنظير الأكاديمي ويختار لغة رشيقة تستعيد الإنسان قبل المنجز ليعرض وجوهاً عرفها الناس من خلال إنتاجها فقط فيعيد تقديمها بعيوبها وفضائلها ويرى أن ما يميز هؤلاء ليس الكمال وإنما قدرتهم على تحويل طاقاتهم وقلقهم وأسئلتهم إلى إرث يبقى بعدهم ويمتد أثره في وجدان من لحق بهم.
يفتتح الكتاب بأمينة السعيد الرائدة الصحافية والنسوية التي رسخت حضور المرأة في المؤسسات الإعلامية ودفعت ثمن ريادتها نضالاً ومسؤولية ويرصد المؤلف علاقتها بوالدها وزوجها وكيف شكلا معاً شخصية قوية بلا ضجيج بعيدة عن نزق المدافعين الجدد عن حقوق المرأة لكنهـا واضحة ومؤثرة وحاسمة في وقتها.
ويمضي إلى مي زيادة تلك التي تحولت حياتها إلى صور متعددة صنعتها أقلام من أحبوها أو اختلفوا معها حتى كادت ظلالها تحجب ملامحها الحقيقية فيعيد الجابري تقديمها كحالة إنسانية مشعة كانت ضحية انفتاحها وعبقريتها أكثر مما كانت ضحية ظروفها.
ويقترب من جمال الدين الأفغاني ليعيد اكتشاف الرجل الذي عاش حياته مقاومة للاستعمار وتنقلاً بين بلاد كثيرة حاملاً مشروعاً فكرياً إصلاحياً رآه الحكام خطراً على سلطتهم وتلمذه عليه محمد عبده وكثيرون ممن شكلوا الوعي الإصلاحي في العالم العربي.
ويطل الكتاب على رجاء النقاش ذلك الناقد الذي امتلك بصيرة نادرة في اكتشاف المواهب فكتب عن الطيب صالح ودرويش وغيرهما في بداياتهم وأعاد للصحافة الثقافية تنفسها بعد فترات من الركود متنقلاً بين أهم المنابر العربية ومقدماً نموذجاً للناقد القريب من الناس دون أن يفقد عمقه.
وتأتي سهير القلماوي بوصفها واحدة من أهم رائدات الحركة الثقافية والأكاديمية في مصر فهي تلميذة طه حسين وأول أستاذة جامعية في تخصصها وصاحبة الأثر الأكبر في إطلاق معرض القاهرة الدولي للكتاب ومناصرة الأدب الشعبي والطفل ومواكبة المناهج الحديثة في النقد.
ثم يقف الكتاب أمام لطيفة الزيات تلك المبدعة والمناضلة التي جمعت بين الأدب والسياسة والسيرة في حضور إنساني كثيف تتجسد أعماله في نصوص أصبحت علامات على أدب السيرة والاعتراف وعلى كتابة نسائية واعية لا تتخلى عن رؤيتها ولا عن قضاياها.
ويتوقف عند يحيى حقي الذي حمل في تكوينه مزيجاً نادراً من الجذور التركية والروح المصرية والتجربة الدبلوماسية التي فتحت أمامه آفاقاً إنسانية واسعة فصار صوتاً أدبياً يجمع الشرق بالغرب في أسلوب فريد وسرد يختزن حكمة الحياة ومرارة الواقع.
ويمتد الكتاب إلى وجوه أخرى تكتمل بها اللوحة الثقافية عبد الحميد جودة السحار الذي التقت عنده السينما بالأدب وعبد الرحمن شكري الرائد المنسي وأحمد أمين الذي سدد ديون التراث بعلمه ومحمد عبده الإصلاحي الذكي السريع الرحيل وجورجي زيدان الباحث في جذور النهضة وأسامة أنور عكاشة الذي كتب الدراما بضمير المناضل وسعد الله ونوس صاحب الموجة المسرحية الحادة العميقة وميخائيل نعيمة المتمرد على النسق التقليدي وعاطف الطيب الذي حمل الكاميرا كأنها آلة عزف لا تفقد صدقها ولا صرختها
بهذا الأسلوب يقدم الجابري عملاً لا يعرض سيراً ذاتية بقدر ما يستعيد روح أصحابها تلك الأرواح التي ظلت تضيء الوعي العام وتمنح الثقافة العربية ركائزها الأساسية وتؤكد أن بعض الوجوه لا تغيب لأنها لم تكن مجرد أسماء بل كانت شرارات وعي صنعت زمناً
واستمرت بعد أن غاب أصحابها جسداً وبقي أثرهم حيّاً في الذاكرة العربية.
