أحمد رشدي
لم تكن لوحة «متى تتزوجين؟» مجرد عمل فني عابر في مسيرة الرسام الفرنسي بول جوجان، بل كانت خلاصة رحلة طويلة من التمرد والبحث عن الجذور الأولى للجمال، انتهت بأن تُباع في السابع من فبراير عام 2015 بنحو 300 مليون دولار، لتصبح في ذلك الوقت أغلى لوحة بيعت في تاريخ الفن العالمي، وعنوانًا لمرحلة كاملة من التحول في الفن الحديث.
جوجان، المولود في باريس عام 1848 لأب فرنسي وأم من بيرو، عرف مبكرًا معنى الترحال والاقتلاع من الجذور، إذ انتقل مع عائلته إلى بيرو في طفولته، وهناك تشكل وعيه البصري الأول بألوان الطبيعة والوجوه غير الأوروبية، وهو أثر ظل يطارده طوال حياته الفنية.
عاد إلى فرنسا صغيرًا، وعاش سنواته الأولى في بحر من التناقض بين الحياة العملية الصارمة وشغفه المتصاعد بالفن، قبل أن يقرر الانحياز نهائيًا للرسم، حتى وإن كان الثمن الفقر والعزلة.
في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، انضم جوجان إلى جماعة «مدرسة بونت آفين» في إقليم بريتاني الفرنسي، حيث أسهم مع عدد من الفنانين في تأسيس الحركة التركيبية التي مزجت بين التبسيط الشكلي والرمز اللوني،
ثم جاءت تجربته القصيرة والمضطربة مع صديقه فينسنت فان جوخ في مدينة آرل جنوب فرنسا عام 1888، لتؤكد له أن أوروبا لم تعد المكان الذي يمكن أن يحقق فيه حلمه الفني.
عام 1891 شد جوجان الرحال إلى تاهيتي، باحثًا عن عالم لم تفسده الحداثة،
وهناك وجد ضالته. في هذه الجزيرة النائية أنجز مجموعة من أهم أعماله، وكان من بينها لوحة «متى تتزوجين؟» التي رسمها عام 1892، والتي تظهر امرأتين من سكان تاهيتي وسط طبيعة صامتة نابضة بالألوان،
في مشهد يختلط فيه التساؤل بالبراءة والرمز، وتعكس ملامحهما رؤية جوجان للحياة البسيطة التي تقوم على الحب والغناء والاندماج مع الطبيعة.
اللوحة لم تكن منفصلة عن أزمات جوجان الشخصية، إذ جاءت في لحظة توتر حاد مع زوجته ومع المجتمع الفني الأوروبي الذي لم يمنحه التقدير الذي كان يطمح إليه، فاختار الهروب الجغرافي والفني معًا.
وكما يشير كاتب سيرته نانسي مول، فإن جوجان لم يكن يرسم الواقع كما هو، بل كما كان يتمنى أن يكون، عالمًا إنسانيًا خالصًا بعيدًا عن قيود الحضارة الغربية.
بقيت «متى تتزوجين؟» لعقود طويلة واحدة من أهم أعمال ما بعد الانطباعية، قبل أن تعود إلى الواجهة عالميًا مع صفقة بيعها القياسية في عام 2015، لتتحول من لوحة تاهيتية هادئة إلى أيقونة اقتصادية وثقافية،
وتؤكد أن الفن، مهما بدا بسيطًا في مظهره، قادر على أن يحمل داخله تاريخًا كاملًا من الصراع والحلم والدهشة.
