بقلم: د. إيمان بشير ابوكبدة
في زمن المنصّات المفتوحة، لم يعد حبّ الظهور مجرد رغبة عابرة في التقدير، بل تحوّل عند بعض الأشخاص إلى حالة مرضية مكتملة الأركان. شخص يطلّ عليك بثقة مفرطة، يتحدث عن نفسه أكثر مما يتحدث عن أي فكرة، ويقدّم ذاته بوصفها عبقرية مُهمَلة أو موهبة مظلومة، بينما الحقيقة الصادمة أنه لا يملك سوى الفراغ… وفراغ صاخب تحديدًا.
هذا النموذج من البشر لا يصنع قيمة، بل يصنع ضجيجًا. لا ينتج فكرًا، بل ينتج حضورًا متكررًا. لا يطوّر مهارة، بل يطوّر صورة ذهنية عن نفسه، ويطالب الآخرين بالتصفيق لها.
حب الظهور في حد ذاته ليس عيبًا؛ فالإنسان بطبيعته يسعى للاعتراف والقبول. العيب الحقيقي يبدأ عندما يصبح الظهور بديلاً عن الجوهر، وتتحول الثقة إلى ادّعاء، والطموح إلى استعراض، والموهبة إلى خطاب إنشائي بلا مضمون.
الأخطر أن هذا الشخص يصدق وهمه. لا يرى في نفسه مشروع تعلّم أو تطوير، بل يرى “قيمة منجزة” لا تحتاج إلا لمن يسلّط عليها الضوء. وعندما يُسأل عن إنجاز حقيقي، يلجأ إلى العموميات، أو يسرد قصصًا بلا أثر، أو يهاجم كل من لا يمنحه الاعتراف الذي يراه حقًا مكتسبًا.
الإنسان الفارغ لا يحتمل الصمت؛ لأن الصمت يفضحه. لذلك يملأ الفراغ بالكلام، ويغطي العجز بالهجوم، ويعوض نقص الكفاءة بالمبالغة. وهو دائمًا في حالة مقارنة، لأن وجود الآخر الناجح يهدد الصورة الوهمية التي بناها عن نفسه.
في بيئات العمل، يكون هذا النموذج كارثيًا. يتصدر المشهد بلا كفاءة، يختطف الإنجاز دون مساهمة، ويعتبر النقد مؤامرة، والنصيحة إهانة، والنجاح الجماعي خطرًا على نجوميته الفردية. إنه لا يبني فريقًا، بل يبني مسرحًا… يقف هو في منتصفه دائمًا.
والفارغ الباحث عن الظهور لا يُحب الضوء لأنه يخدم فكرة، بل لأنه يخدم الأنا. لذلك ينهار سريعًا حين يُوضع في اختبار حقيقي، أو يُطلب منه إنتاج ملموس، أو يُترك بلا جمهور.
الفرق بين الإنسان الواثق والإنسان المدّعي، أن الأول يترك أثرًا حتى في غيابه، بينما الثاني يحتاج إلى حضور دائم ليُقنع نفسه قبل أن يُقنع غيره.
الظهور لا يصنع قيمة، والصوت العالي لا يعني عمقًا، والكاميرا لا تخلق موهبة. وحده المحتوى الحقيقي، والعمل الصامت، والإنجاز القابل للقياس، هم من يمنحون الإنسان مكانته… دون حاجة لكل هذا الضجيج
