بقلم: رانيا ضيف
لم تكن الحضارة المصرية بلا حراس، ورغم ذلك كانت دائمًا مطمعًا ونهبًا منذ فجر التاريخ. مصر ليست مجرد أرض، بل حضارة عظيمة سبقت وأبهرت، فحاول الآخرون سرقتها لأنفسهم، كل حسب زمنه وأدواته. اليونانيون رأوا فيها أصل الحكمة التي تعلّموا منها، ثم أعادوا تصديرها للعالم باسمهم. الرومان استعاروا رموزها، والعثمانيون أذابوا تاريخها في إمبراطوريتهم العثمانية، ثم جاء الخطاب القومي العربي الذي اختزل آلاف السنين قبل الفتح الإسلامي. واليوم، تظهر محاولات حديثة – أبرزها الأفروسنترك – تسعى إلى إعادة نسب الحضارة المصرية كاملة إلى سياقات أخرى، مفصولة عن جغرافيتها وهويتها الأصلية.
العجيب أن كل هذه المحاولات معروفة وموثقة ومكشوفة. نحن لسنا أمة تكتشف اليوم أن تاريخها مُستهدف، بل نملك أرشيفًا كاملًا من الادعاءات، والمواجهات، والدفاع العلمي والثقافي عن خصوصية الحضارة المصرية.
ومن هنا، يصبح السؤال المُلح: كيف ومع هذا الوعي التاريخي المتراكم تسمح وزارة الثقافة المصرية بطباعة وترويج عمل أدبي يحمل عنوانًا يخدم مباشرة فكرة نزع الهوية عن التاريخ المصري القديم؟
إطلاق تطبيق “كتاب” كمنصة رقمية مجانية، خطوة تحسب للدولة، وتعكس رغبة في إتاحة المعرفة ورفع الوعي. لكن الصدمة أن يجد القارئ ضمن هذا المشروع الرسمي رواية بعنوان “إخناتون ونفرتيتي الكنعانية”، وهو عنوان لا يثير الجدل فحسب بل يعيد إنتاج واحدة من أخطر القضايا، تحويل رموز الحضارة المصرية إلى كيانات بلا انتماء مصري، قابلة للضم إلى روايات أخرى.
لسنا هنا بصدد مصادرة خيال كاتب، حتى وإن كان من جنسية غير مصرية، فالإبداع حق للجميع، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين تتحول وزارة الثقافة إلى وسيط لنشر هذا الطرح. حين توافق جهة رسمية على الطباعة والترويج والإدراج في منصة حكومية موجهة للأجيال الجديدة، فإن الأمر يتجاوز الأدب ليصبح مسؤولية سيادية مباشرة تجاه الهوية والتاريخ.
أي أن السماح بتمرير هذا العنوان في هذا التوقيت وبهذه الصيغة، لا يمكن فصله عن السياق العالمي لمحاولات سرقة التاريخ المصري وإعادة تأطيره. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول آليات المراجعة داخل وزارة الثقافة وحدود “التنوع الثقافي” حين يتقاطع مع تشويه التاريخ، وأين تقف وزارة الثقافة بين الانفتاح الثقافي وحماية الثوابت الحضارية.
نحن لا نطالب بوصاية فكرية أو ثقافية. لكننا نطالب بأمر أبسط؛ ألا تشارك وزارة الثقافة سواء عن قصد أو إهمال في إعادة إنتاج الخطاب الذي طالما حاربته مصر دفاعًا عن تاريخها وحضارتها.
فالحضارة التي صمدت أمام محاولات السطو لآلاف السنين، لا يجوز أن تُخدش اليوم بقرار إداري متهاون، أو قراءة ثقافية مبتورة. ووزارة الثقافة بحكم موقعها ومسؤوليتها مطالبة بأن تكون خط الدفاع الأول عن الذاكرة المصرية أو الهوية، لا أن تكون ثغرة ينفذ منها الآخرون بأسمائنا وأختامنا الرسمية.

