هبة الأفندي
تُعدّ الخطوط العربية مرآةً صادقةً للحضارة الإسلامية، إذ لم تكن مجرّد أداة لتدوين الكلمات، بل تحوّلت عبر القرون إلى فنّ بصري راقٍ يجمع بين الجمال والضبط. وقد استمدّت هذه الخطوط أسماءها من الأمصار التي نشأت فيها، أو من الأعلام الذين وضعوا قواعدها، أو من الأقلام التي كُتبت بها. ومع تعاقب العصور، تطوّرت الخطوط وتجاورت، فتأثّر بعضها ببعض دون أن تفقد شخصيتها، لتشكّل إرثاً فنياً ثرياً يتّسم بالتنوّع والعمق.

الخط الكوفي: عميد الخطوط وأقدمها
يُعدّ الخط الكوفي من أقدم الخطوط العربية وأشدّها وقاراً، وهو من الخطوط اليابسة التي تطوّرت عن الخط الحجازي القديم (المكي والمدني)، الذي يُرجّح بدوره أنه تفرّع عن الخط الجزم. ومع تمصير الكوفة وانتقال مركز الثقل الحضاري إليها، تلقّى هذا الخط عناية خاصة، فانتُسب إليها واكتسب اسمه، ثم انتشر في أرجاء العالم الإسلامي.
امتاز الخط الكوفي بالاستقامة والصرامة الشكلية، حتى بدا في مظهره هندسياً، غير أن الخطاطين الأوائل لم يعتمدوا على المسطرة أو الأدوات الهندسية، بل على المقاييس النقطية ودقّة العين واليد. وقد ازدهر الكوفي في العصرين الأموي والعباسي، وكان الوعاء الأبرز لكتابة المصاحف حتى القرن الرابع الهجري تقريباً، قبل أن تبدأ خطوط أخرى بمزاحمته. وتُعدّ المصاحف الكوفية المبكرة، ومنها نماذج محفوظة في دار الكتب المصرية تعود إلى القرن الثاني الهجري، شاهداً على عناية الخطاطين الذين حوّلوا صفحات القرآن إلى لوحات مزدانة بزخارف نباتية وهندسية. ومع الزمن، تنوّعت أشكاله وتفرّعت أنواعه الزخرفية، مثل الكوفي المورّق والمتشابك والمربّع، حتى عُدّت له عشرات الصيغ والأساليب.

خط النسخ: لغة الكتب والطباعة
ومع اتّساع رقعة المعرفة والحاجة إلى خط أكثر وضوحاً وسلاسة، برز خط النسخ بوصفه الخيار الأمثل للقراءة والنسخ. يتميّز النسخ بليونة حروفه وانضباط قواعده، مما جعله الخط المفضّل لنسخ المصاحف والمخطوطات العلمية، خاصة بعد أن هُذّبت قواعده على يد ابن مقلة ومن بعده ابن البوّاب. ولا يزال خط النسخ حتى اليوم سيّد المطبوعات والصحف، بعد أن طوّره المحدثون ليتلاءم مع تقنيات الطباعة والحواسيب، فيما يُعرف اصطلاحاً بـ«الخط الصحفي».
خط الرقعة: سرعة الكتابة اليومية
في السياق نفسه، ظهر خط الرقعة بصيغته العثمانية بوصفه خطاً عملياً للكتابة السريعة واليومية. وقد وضع قواعده الخطاط التركي ممتاز بك في القرن الثالث عشر الهجري، في عهد السلطان عبد المجيد خان، متأثّراً بعدد من الخطوط العثمانية السابقة مثل الديواني وخط السياقت. يمتاز الرقعة ببساطة شكله وقصر حروفه وسهولة أدائه، وهو اليوم أكثر الخطوط شيوعاً في الكتابة اليدوية في المشرق العربي، مع اختلاف حضوره في بلاد المغرب التي احتفظت بتقاليد خطّية خاصة بها.
خط الثلث: تاج الخطوط وميزان الإبداع
أمّا خط الثلث، فيُنظر إليه على أنه تاج الخطوط العربية وأدقّها ميزاناً، إذ لا يُعدّ الخطاط مكتملاً في صناعته ما لم يتقنه. يتميّز الثلث بسعة حروفه وقابليته العالية للتركيب والتشكيل، ما جعله الخيار الأبرز لتزيين المساجد، من محاريب وقباب، ولعناوين المصاحف والكتب الكبرى. وينتمي خط الثلث إلى منظومة «الأقلام الستة» التي وُضعت أصولها على يد ابن مقلة وهُذّبت لاحقاً، وهو يقف جنباً إلى جنب مع خطوط أخرى شقيقة له، مثل المحقّق والريحاني، لكلٍّ منها شخصيته وقواعده المستقلة، وقد كان المحقّق على وجه الخصوص سيّد كتابة المصاحف في حقب طويلة قبل أن يتقدّم النسخ.
الخط الفارسي (النستعليق): الأناقة المائلة
وخارج الجزيرة العربية، وفي بلاد فارس، تبلورت مدرسة خطّية ذات طابع خاص، تمثّلت في خط التعليق، ثم في خط النستعليق الذي يُنسب ابتكاره إلى مير علي التبريزي في القرن السابع الهجري. وقد جاء النستعليق ثمرة مزجٍ فني بين خط النسخ وخط التعليق، فتميّز برشاقة حروفه وميلانها وانسيابها، حتى بدا وكأنه موسيقى مرئية على الصفحة.
عبّر هذا الخط عن الذوق الفارسي الرفيع، وأصبح الوعاء الأبرز لكتابة الشعر والأدب في إيران وما جاورها، محتفظاً بمكانته بوصفه أحد أكثر الخطوط أناقةً وتأثيراً في تاريخ الخط العربي.
