بقلم : أحمد رشدى
لم يعد التلوث قضية بيئية معزولة، ولا شأنًا علميًا يخص المختبرات وحدها، بل تحوّل إلى أحد أخطر التحديات التي تواجه الإنسان المعاصر، لما له من أثر مباشر ومتراكم على الصحة العامة، والاقتصاد، ونمط الحياة، واستقرار المجتمعات. فهو خطر صامت، يتسلل إلى الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، دون ضجيج، لكنه يترك آثارًا لا يمكن إنكارها.
ويأتي تلوث الهواء في مقدمة هذه الأخطار، نتيجة الانبعاثات الصناعية، وعوادم المركبات، وحرق النفايات، حيث أثبتت الدراسات العلمية الموثقة أن استنشاق الهواء الملوث يرتبط بأمراض الجهاز التنفسي والقلب، ويؤثر بصورة خاصة على الأطفال وكبار السن.
ولا يقل تلوث المياه خطورة، إذ يؤدي تصريف المخلفات الصناعية والزراعية غير المعالجة إلى تلويث الأنهار والبحار والمياه الجوفية، مهددًا الأمن المائي والغذائي في آن واحد.
أما التلوث الغذائي، فيمثل وجهًا آخر للأزمة،
مع الإفراط في استخدام المبيدات والمواد الحافظة، وغياب الرقابة الكافية في بعض الأحيان، ما ينعكس سلبًا على صحة الإنسان على المدى الطويل.
ويضاف إلى ذلك التلوث الضوضائي والبصري، اللذان قد يُستهان بهما، رغم ما لهما من أثر نفسي وعصبي واضح، ينعكس على جودة الحياة، ويزيد من معدلات التوتر والاضطراب داخل المدن المكتظة.
ولا يمكن فصل هذه الأنواع المتعددة من التلوث عن السلوك الإنساني ذاته، حيث تسهم أنماط الاستهلاك غير الرشيدة، وضعف الوعي البيئي، في تعميق الأزمة.
وهنا تتجلى أهمية الدور المشترك بين الدولة والمجتمع، في سن التشريعات الرادعة،
وتطبيق المعايير البيئية الصارمة،
إلى جانب ترسيخ ثقافة بيئية تبدأ من التعليم، وتستمر عبر الإعلام، وتترجم إلى ممارسات يومية مسؤولة.
إن مواجهة التلوث ليست ترفًا ولا خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وجودية تفرضها حماية الإنسان وحق الأجيال القادمة في بيئة آمنة وصحية. فكل خطوة نحو تقليل مصادر التلوث،
وكل وعي يُبنى حول خطورته،
هو استثمار حقيقي في مستقبل أكثر توازنًا، حيث يعيش الإنسان في انسجام مع محيطه،
لا في صراع دائم معه.
التلوث… الخطر الصامت الذي يهدد حاضرنا ومستقبلنا
418
المقالة السابقة
