د.نادي شلقامي
تمر علينا اليوم ذكرى رحيل الأديب والمفكر والسيناريست الكبير عبد الحميد جودة السحار، الرجل الذي لم يكن مجرد كاتب للرواية، بل كان مؤسسة ثقافية تمشي على قدمين. رحل السحار جسداً، لكنه ترك خلفه مكتبة عربية لا تزال تنبض بالحياة، وأجيالاً تعلمت منه كيف يُصاغ التاريخ في قالب أدبي ممتع، وكيف تتحول الكلمة المكتوبة إلى صورة سينمائية تخلد في ذاكرة الشعوب. هو الذي آمن بأن الأدب رسالة، فجعل من قلمه جسراً يربط بين عظمة الماضي وتحديات الحاضر.
أولا…السيرة والمسيرة
(من أرقام التجارة إلى هندسة الفكر)
وُلد السحار في قلب القاهرة، وتحديداً في حي الدرب الأحمر العريق عام 1913، ونشأ في بيئة تعج بالتفاصيل المصرية الأصيلة. ورغم تخرجه في كلية التجارة بجامعة فؤاد الأول عام 1937، إلا أن شغفه بالتاريخ والأدب كان المحرك الأساسي لمسيرته. لم تمنعه دراسته التجارية من أن يصبح أحد أمهر “مهندسي” الرواية العربية، حيث طوع مهارات التنظيم والإدارة لاحقاً لخدمة الثقافة والنشر.
ثانيا… رائد الرواية التاريخية والإسلامية
يُعد السحار أحد أبرز من كتبوا “السيرة النبوية” بأسلوب أدبي رفيع، حيث نجح في تقريب حياة الرسول ﷺ والصحابة إلى القارئ المعاصر دون الإخلال بالحقائق التاريخية. رواياته مثل:
— “بلال مؤذن الرسول”
— “سيف الله المسلول”
— “المسيح عيسى بن مريم”
لم تكن مجرد كتب دينية، بل كانت أعمالاً إبداعية تعيد بناء الشخصية الإنسانية في سياقها التاريخي.
ثالثا…مؤسس “لجنة النشر للجامعيين” وحاضن الإبداع
تعد “لجنة النشر للجامعيين” من أهم المحطات في حياة السحار وفي تاريخ الأدب العربي الحديث. أسسها السحار مع رفقاء دربه (أمثال عادل كامل ونجيب محفوظ) لتكون متنفساً للجيل الجديد حينها. ومن خلال هذه اللجنة، تجرأ السحار على نشر الروايات الأولى لـ نجيب محفوظ (مثل عبث الأقدار ورادوبيس) حين رفضها الناشرون الآخرون، كما ساهم عبرها في تأسيس “مكتبة مصر” العريقة، مما يعكس نبل الفرسان الذي تمتع به ودوره كمكتشف وحاضن للمواهب الكبرى.
رابعا… السينما.. بصمة لا تُمحى (القائمة الذهبية)
دخل السحار عالم الفن السابع من باب الكتابة والإنتاج، وترك بصمات ستظل محفورة في تاريخ السينما المصرية من خلال شركة “أفلام جودة السحار” وكتاباته الخالدة:
— الناصر صلاح الدين (1963): شارك في كتابة القصة والحوار، ويُعد أضخم إنتاج تاريخي في تاريخ السينما العربية.
— فجر الإسلام (1971): كتب السيناريو والحوار لهذا الفيلم الذي رصد التحول من الجاهلية إلى الإسلام.
— الحفيد (1974): صاحب القصة التي تحولت إلى واحد من أمتع الأفلام العائلية المصرية.
— أميرة حبي أنا (1974): كتب القصة والسيناريو والحوار، وهو الفيلم الاستعراضي الشهير لسعاد حسني.
— مراتي مدير عام (1966): كتب القصة والسيناريو والحوار، وناقش قضية رئاسة المرأة للرجل بأسلوب راقٍ.
— قصر الشوق (1967): ساهم في كتابة السيناريو والحوار لأحد أجزاء ثلاثية نجيب محفوظ.
— درب المهابيل: شارك في صياغة السيناريو والحوار، وهو فيلم يمثل قمة الواقعية المصرية.
— أعمال أخرى: (ألسنة اللهب، شياطين الجو، العمالقة) وغيرها من الأعمال التي حملت بصمته الإنتاجية والفكرية.
خامسا…فلسفته الأدبية.. الفن في خدمة المجتمع
كان السحار يرى أن الأديب لا يعيش في برج عاجي، بل هو “جندي” في معركة الوعي. تميزت كتاباته بالبساطة الممتنعة، واللغة الرصينة التي لا تعقيد فيها، والتركيز على القيم الأخلاقية. استطاع ببراعة أن يمزج بين الواقعية المصرية وبين الروحانيات، مما جعل أعماله مقبولة لدى كافة طبقات المجتمع.
سادسا…التكريم والتقدير: حصاد الرحلة
لم تكن رحلة السحار مجرد كتابات عابرة، بل كانت مشروعاً وطنياً استحق عنه أرفع الأوسمة:
— جائزة الدولة التشجيعية: تقديراً لتميزه في فن الرواية والقصة.
— وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى: تكريماً لمجمل عطائه الثقافي.
— التكريم السينمائي: كأحد أبرز كُتّاب السيناريو الذين غيروا وجه السينما المصرية.
— تخليد الاسم: بإطلاق اسمه على شوارع وميادين، واستمرار ندواته الأدبية حتى يومنا هذا.
سابعا…الوفاة
في 22 من يناير عام 1974، ودّعت مصر والعالم العربي عبد الحميد جودة السحار عن عمر يناهز 61 عاماً. جاء رحيله هادئاً يشبه شخصيته الرصينة، لكنه ترك فراغاً كبيراً في الوسط الأدبي والسينمائي.
لقد توفي السحار وهو في قمة عطائه، ووصف النقاد رحيله بأنه “خسارة لأحد أهم حراس الذاكرة التاريخية”، وشُيعت جنازته في موكب مهيب حضره كبار الأدباء، وعلى رأسهم صديق عمره نجيب محفوظ، الذي كان يرى في السحار “الأخ والناشر والسند”.
وختاما…. ويبقى الأثر ما بقي الفكر
في ذكرى رحيله، لا ننعى عبد الحميد جودة السحار، بل نحتفي بإرثه الذي لا يصدأ. إن ما تركه السحار هو “وثيقة هوية” للأمة العربية. ربما غاب السحار بجسده، إلا أن “وفاته” كانت مجرد ميلاد جديد لأعماله. ففي كل مرة يُعرض فيها فيلم له أو يُقرأ له كتاب، يبعث الأديب الكبير من جديد، ليظل اسمه محفوراً كواحد من المخلصين الذين وهبوا حياتهم للكلمة الطيبة والأثر الباقي.
