بقلم / إيمان دويدار
لسنا كما نعتقد أننا نعيش، نحن في الغالب نُدار. تسحبنا الأيام من أكمامنا، تضعنا في طابور طويل اسمه “اللازم”، وتهمس في آذاننا: افعل، أسرع، لا تسأل. فنفعل… ونسرع… ونتأخر عن السؤال.
الحياة ـ في جوهرها ـ ليست ما يحدث لنا، بل ما نفهمه مما يحدث. فالحدث أعمى، والمعنى هو البصيرة. يموت اثنان في حادث واحد، فيصير الأول رقمًا في نشرة، ويصير الثاني ذكرى لا تهدأ في قلب أم. الفرق ليس في الموت، بل في المعنى الذي تُرك خلفه.
نحن لا نتعب من كثرة العمل، بل من قلة المعنى. اليد يمكنها أن تتحمل، لكن الروح إن لم تفهم لماذا، انهارت. ولهذا ترى من يملك كل شيء ويشكو الفراغ، ومن لا يملك إلا القليل ويبتسم كأنه فهم السر.
أخطر ما في الإنسان أنه يعتاد. يعتاد الظلم حتى يبرره، ويعتاد القبح حتى يسميه “واقعًا”، ويعتاد الصمت حتى ينسى أن له صوتًا. الاعتياد ليس راحة… إنه موت بطيء بلا جنازة.
نسأل كثيرًا: ما الحكمة؟ لكننا ننسى أن الحكمة لا تُعطى جاهزة، بل تُنتزع انتزاعًا من التجربة. كل صفعة تحمل درسًا، لكن ليس كل من صُفع تعلّم. الفرق بين الألم والمعرفة، خطوة اسمها التأمل.
نحن نركض خلف السعادة كأنها مكان، ولا ننتبه أنها طريقة نظر. قد تسكن القصر وتعيش ضيقًا، وقد تسكن غرفة ضيقة ويتسع صدرك للعالم. المساحة الحقيقية ليست حولك، بل داخلك.
وفي النهاية، لسنا مطالبين بأن نكون عظماء، بل أن نكون صادقين مع أنفسنا. أن نعترف حين نخاف، وأن نسأل حين نجهل، وأن نرفض حين يُطلب منا أن نكذب باسم الحكمة أو نصمت باسم العقل. فالحياة لا تُقاس بعدد السنوات، بل بعدد المرات التي شعرنا فيها أننا أحياء فعلًا.
بين ما نعيشه وما نظنه حياة
253
