بقلم : أحمد رشدي
مع كل عام جديد لا ندخل فقط زمنًا مختلفًا في التقويم، بل ندخل امتحانًا جديدًا للوعي والإرادة والمسؤولية. فالأعوام لا تتغير بذاتها، وإنما تتبدل حين تتغير العقول التي تعيش داخلها، والقلوب التي تتحمل أمانتها، والأيدي التي تقرر أن تبني لا أن تكتفي بالمشاهدة. والعام الجديد، بما يحمله من تحديات متشابكة، يضعنا جميعًا أمام سؤال مصيري: أي وطن نريد، وأي دور نختار لأنفسنا داخله؟
لم تعد التحديات محصورة في الاقتصاد أو السياسة أو الأمن وحدها، بل صارت منظومة متداخلة تمس تفاصيل الحياة اليومية؛ من لقمة العيش إلى منظومة القيم، ومن استقرار الأسرة إلى وعي الفرد، ومن أخلاقيات العمل إلى ثقافة الاختلاف.
وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى: لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تواجه هذه التحديات دون إنسان واعٍ يشعر أن الوطن ليس مؤسسة بعيدة، بل بيتًا كبيرًا يبدأ من داخله.
إن الدور الحقيقي للفرد يبدأ من وعيه بنفسه، من احترامه لقيم العمل والإتقان، من التزامه بالقانون لا خوفًا من العقاب بل إيمانًا بأن النظام هو الحارس الأول للعدالة. فالفرد حين يكون منضبطًا في سلوكه، صادقًا في عمله، إيجابيًا في محيطه، يصبح لبنة صلبة في بناء مجتمع متماسك لا تهزه العواصف.
أما الأسرة، فهي المدرسة الأولى التي تُصاغ فيها ملامح المواطن الصالح. داخل البيوت تُزرع القيم، وتُبنى الشخصية، ويُتعلم معنى الانتماء الحقيقي.
فالأسرة الواعية لا تكتفي بتربية الأبناء على النجاح الفردي، بل تغرس فيهم معنى المسؤولية الاجتماعية، واحترام الآخر، وحب الوطن لا بالشعارات، بل بالفعل والسلوك اليومي. ومن بيتٍ واعٍ يخرج مواطن قادر على المشاركة، لا متفرجًا ولا منسحبًا ولا منطويا صامتا.
وفي زمن تتسارع فيه المتغيرات، يصبح للمشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية دور حاسم في حماية توازن المجتمع. المشاركة ليست صخبًا ولا خصومة، بل وعي وحضور ومساهمة إيجابية في صناعة القرار، ودعم مسارات التنمية، ومساندة الجهود الوطنية بوعي ونقد بنّاء.
فالأوطان لا تُبنى بالصمت، ولا تُحمى بالحياد السلبي، بل تُصان بعقول تفكر وقلوب تنتمي وأيادٍ تعمل بمنتهي الحب والصدق والألفة.
أما الثقافة، فهي الروح التي تمنح كل ما سبق معناه الإنساني. بالثقافة نحصّن العقول من التطرف، ونمنح الشباب أفقًا أوسع للحلم، ونخلق جسورًا بين الماضي والمستقبل. الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة وطنية، لأنها تصنع إنسانًا يرى في الاختلاف ثراءً، وفي الحوار طريقًا، وفي المعرفة قوة ناعمة تحمي المجتمع من التآكل الداخلي.
إن العام الجديد ليس وعدًا تلقائيًا بالخير، بل فرصة تحتاج إلى من يحسن استثمارها. والرهان الحقيقي ليس على الظروف، بل على الإنسان. فإذا صلح الفرد، تماسكت الأسرة، ونهض المجتمع، واشتد عود الوطن. وحين يدرك كل منا أن دوره مهما بدا صغيرًا هو خيط في نسيج الوطن الكبير، سنكتشف أن أعظم التحديات يمكن أن تتحول إلى أعظم فرص.
هكذا فقط يصبح العام الجديد بداية حقيقية، لا مجرد رقم جديد في روزنامة الزمن، بل خطوة واعية نحو وطن أقوى، وإنسان أصدق، ومستقبل يستحق أن نعمل من
أجله معًا.
