د. فرج العادلي
معركة دائرة في مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم على مواقع التواصل منذ أيام, هل هما في الجنة أو النار, والمسألة حقيقة لا علاقة لها بالواقع, ولا يتعلق بها عمل في دنيا الناس, بل في حقيقة الأمر إن هذه المسألة لا يطرحها إلا من يريد جدلا (غالبا) أو يريد مكايدة لطرف دون طرف،من مختلفي المناهج, فهل مصير والدي سيد الخلق يحسن بأهل الدين والدعوة إلى الله تعالى أن يتخذوها سهاما ينضحون بها أغراضا, كلا ورب العزة إن هذا لسخيف من الطرفين.
وإنني أتساءل: إذا كان قد تقرر سلفا لدى الفريقين أن المختلف فيه لا إنكار فيه, وهذه المسألة أدلتها عامة, وحمالة أوجه, فهي ليست من المسائل القطعية لنقطع فيها بقلب مطمئن , فمنهم من قال أنهما من أهل الفترة , وهذا قول معتبر, لأن كل نبي بعث لقومه خاصة، والعرب لم يرسل إليهم رسول في زمانهم , والله تعالى يقول: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا )
وحتى الرسل الذين ذكروا في الجزيرة قبل الإسلام ففيهم خلاف كحنظلة بن صفوان، وخالد بن سنان,
كذلك حديث أبي وأبوك في النار حمال أوجه, ووقع فيه الخلاف في المعنى,
كذلك آزر والد سيدنا إبراهيم عليه السلام حيث نهى الله تعالى إبراهيم عن الاستغفار له , لكن جاء في نهاية عمره يقول:{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}. فاستغفر له, فدل على أنه ليس هو الأول، وحتى لو كان والده حقا في النار، فقد حضر دعوة سيدنا إبراهيم، ورفضها بل حاربها، وطرد إبراهيم عليه السلام بل رجمه فلا يقاس عليه.
أما قول البعض أن العلماء تحدثوا فيها قديما فما العيب؟!
أقول: إن حديث العلماء المتقدمين عن هذا الأمر كان بسبب شرحهم للأحاديث النبوية التي جاءت أمامهم حال شرحهم الكتب, ولم يتعمدوا قط طرحها للناس, بل كانوا يتناولونها بصورة سريعة، وموجزة , وعلى استحياء,
فهل هذا يقاس عليه من يطرحها على مواقع التواصل للعامة بلا أدنى سبب في جملة واحدة مبتورة عن سياقها؟! كأنها سبٌ.
ولقد حذر العلماء من الخوض في هذه المسألة التي تُسبب أذى لصاحب النسب, وإنني لأتخيل رسول الله ﷺ حينما زار قبر والده لأول مرة , وكان يبكي بحرقة شديدة تفلق الأكباد حزنا وشوقا لوالده،
كذلك يوم أن توفت والدته ﷺ ودفنها هو وأم أيمن وتركاها في الصحراء وما كادت أم أيمن تستطيع أن تأخذه من جوار قبر أمه ﷺ وهو يومئذ صبي.
ثم لما جاء في غزوة من الغزوات وكان قريبا من قبرها، وهو يومئذ قارب الستين صلى الله عليه وآله وسلم وظل يبكي بكاء مرّا حتى أبكى جميع الصحابة الكرام وهم يومئذ أبطال حروب وليسوا أناسا عاديين, فكيف كان حاله ﷺ وقتها ؟!
فهل هذا الأمر يصلح أن يكون من المسائل التي نطرها على مواقع التواصل؟ كلا, خاصة وأن والد النبي ﷺ عبدالله كان رجلا وسيما كريما عفيفا نقيا لم يؤثر عنه شيء يمسه من أفعال الجاهلية, حتى الزنا لما تعرضت له امرأة قبل الزواج فقال: هذا دونه الموت أو قريبا من هذا,
ثم يقول بعض العلماء :«والسيدة آمنة الصابرة المحتسبة العفيفة التي ما عرف عنها إلا كل خير، وإنني أشبهها بالبتول لولا أنها لم تكلم من قبل السماء، فهل هذه تستحق النار؟!» بمعناه
هذا وقد آراها ربها من الآيات وقت ولادة المصطفى ﷺ , وقد لقت ربها في ريعان شبابها .
وقد أفردت هذه المسألة في بحث كامل
لكن أختم بمقولة لابن عابدين خاتمة العلماء المحققين:
يقول العلامة ابن عابدين -رحمه الله- في حاشيته، عند مسألة آباء النبي ﷺ، إنه لا ينبغي ذكر هذه المسألة إلا بمزيد من الأدب، وليست مما يضر الجهل بها أو السؤال عنها، والحفاظ على اللسان عن الخوض فيها إلا بخير هو الأولى والأسلم، داعياً إلى التوقف عن الخوض فيها بالهوى والجهل وسوء الأدب مع النبي، وناصحاً بالصمت أو الكلام بالخير فقط.
أخيرا عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : “يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي” (وفي رواية: “إياكم أن تذكروا أباه بسوء”)
فإذا كان هذا حال المسلم مع أبي جهل لعنه الله فكيف بوالدي أكرم الخلق.
فلاينبغي لنا التعرض لهذه المسألة، ولا نشارك فيها لئلا نضع أنفسنا في خطر عظيم, فما ضر من عاش ومات ولم يدخل فيها ؟
