بقلم: أسامة إبراهيم
قبل الحديث عن صناعة العقل العربي لا بد من تفكيكه وتحليله أولًا؛ خصوصًا في ظل تكرار الأحداث التي يعيشها هذا العربي، ونمطية تعاطيه معها. نلاحظ أنه من الصعب على العقل العربي التعلّم من أخطاء الماضي، ومعرفة طريقة تعامل الآخر معه، وما يُخطَّط ويُحاك له.
نظرًا لبيئة العربي الصحراوية، فعقلٌ حادّيٌّ استقطابيٌّ غيرُ متطيّفٍ (لا يرى ألوان الطيف)، فإمّا أبيض أو أسود، إمّا حبٌّ أو كره، إمّا جنّة أو نار… هكذا حكمه على الأمور!
العربي منذ قديم الأزل يواجه قسوة الصحراء منفردًا، دون أن يتقيّد بأي مركزية كانت؛ ولذلك لم يتعوّد على العمل الجماعي مطلقًا.
ساعد على ذلك ثقافته التي دومًا ما تركن إلى فكرة وجود شخصية البطل في حياته: شخصية الزعيم، بدءًا من سي السيد في البيت، والفتوّة في الحارة، والقائد العسكري، والزعيم السياسي، والشيخ الروحاني، والولي الإعجازي، وانتهاءً بالنبي ﷺ. وقد صوّرت ذلك الأفلام السينمائية؛ فلا بد من وجود بطل في القصة يعيش في ظله الأتباع والمريدون والأنصار. ومن هنا غابت عن دنيا العقل العربي روح العمل الجماعي، وبرزت الفردية واللامركزية في حياته الخاصة والعامة.
ومن العجب أنك تجد هذه العقلية العربية ذات الطبيعة السالف ذكرها، في خلال بضع عقود، تسيطر على العالم، وتفتح الآفاق، وتقود البشرية نحو إقامة حضارة إسلامية عريقة وعظيمة!
وكان ذلك لسبب واحد جاء به القرآن، وأرساه خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ، وهو إعلاء روح العمل الجماعي، وتغليب مصلحة الأمة على النزعة الفردية للأشخاص؛ فالقرآن ينادي دومًا وتكرارًا جماعة المؤمنين، لا الفرد، في أكثر من مائة نداء:
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾،
وقال تعالى: ﴿وإن هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاعبدون﴾،
وقال: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾، وليس الله ورسوله فحسب!
والنبي ﷺ نفسه مارس روح وعمل الفريق في مواجهات بدر وأحد والأحزاب وغيرها. والصحابة الأُوَل حاربوا هذه النزعة الفردية، وتلك الحِدّية والاستقطابية؛ فنجد عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول:
“أحبِب حبيبك هَوْنًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما…”
وفي بدر، يقول شاعر الرسول حسان بن ثابت:
وببئرِ بدرٍ إذ يردّوا وجوههم
جبريلُ تحت لوائنا ومحمدُ
الكل تحت لواء الأمة والمصلحة العامة لها، بمن فيهم جبريل، ومن نزلت عليه الرسالة الخاتمة!
ولما خفَّ الإيمان في قلوب المسلمين، وتفلّتوا بفعل انحراف القرون وتخلّفنا الحضاري، غدا الحال كما هو الحال اليوم، والحال يغني عن أي مقال. تلك هي مشكلة العقلية العربية الحقيقية: غياب روح العمل الجماعي.
فهل من أمل في الإصلاح؟
نعم، من البيت يبدأ الإصلاح؛ وذلك ببث روح العمل الجماعي في الأسرة، وأن يكون الجميع شركاء حتى في أدق التفاصيل، من المطعم والمشرب، وعدم التفرقة بين الولد والبنت في الحقوق والواجبات، واتخاذ كافة القرارات.
كما يجب ترسيخ روح العمل الجماعي في دور العلم، وتشجيع البحث العلمي الجماعي لا الفردي، وكذلك الحال في شتى مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية
