بقلم : أحمد رشدى
ليس أخطر على المجتمعات من أن يشيخ ضميرها دون أن تنتبه، فشيخوخة الضمير لا تُقاس بالأعمار، بل بالسلوك، ولا تُعلَن بصوت مرتفع، بل تظهر في التفاصيل الصغيرة التي نمارسها يوميًا ثم نمرّ عليها وكأنها لا تعني شيئًا. فالضمير ليس فكرة مجردة، ولا موعظة تُقال، بل ممارسة يومية تنعكس في الأخلاق، وفي طريقة العمل، وفي أبسط تصرفاتنا في الشارع والبيت ومكان الوظيفة.
وحين يشيخ الضمير، تبدأ الأسئلة الأخلاقية في الاختفاء: لماذا نلقي بالمهملات في الشارع ونحن نعلم أن هذا يؤذي الآخرين ويشوّه المكان؟ ولماذا نقبل بالرشوة أو نُسهِم فيها، ثم نشتكي من ضياع الحقوق وانتشار الظلم؟ ولماذا نُعطي حقًا لمن لا يستحق، ونحرم من يستحق لأن الضمير اختار الصمت أو التواطؤ؟
إن الضمير الحي لا يقبل التبرير، ولا يختبئ خلف الأعذار.
فالإهمال في العمل، مهما بدا بسيطًا، هو خيانة للأمانة، والتقصير المتكرر ليس ظرفًا عابرًا، بل سلوكًا يعكس ضميرًا اعتاد التساهل.
واللسان حين يطلق السباب واللعن والكلمات السيئة، لا يفعل ذلك من فراغ، بل من داخلٍ اعتاد القبح حتى لم يعد يراه قبحًا.
وحين تنشغل الموظفة أو الموظف بحديث لا داعي له، أو بالهاتف لساعات العمل، فالمسألة ليست وقتًا ضائعًا فحسب، بل ضميرًا تراجع عن مسؤوليته، وقَبِل أن يخلط بين الحق والهوى، وبين الواجب والرغبة.
وهنا تحديدًا تتجلى شيخوخة الضمير في أوضح صورها… حين يصبح الخطأ عادة، والالتزام استثناءً، والضمير مجرد صوت خافت يسهل تجاهله.
ولا يشيخ الضمير فجأة، بل يضعف مع كل تنازل صغير، ومع كل مرة نُبرر فيها الخطأ لأن الجميع يفعل ذلك، أو نصمت لأن المواجهة متعبة.
ومع الوقت، يتحول الصمت إلى مشاركة غير معلنة، ويتحول التبرير إلى ثقافة عامة، فتضيع الحدود بين الصواب والخطأ.
والمجتمع الذي تضعف فيه الأخلاق اليومية،
لا تُجديه القوانين وحدها، لأن القانون بلا ضمير يتحول إلى نص جامد، قابل للالتفاف،
بينما الضمير الحي هو الحارس الحقيقي للسلوك، وهو الذي يجعل الإنسان مستقيمًا حتى في غياب الرقابة.
غير أن الضمير، مهما شاخ، قابل للاستيقاظ. ويبدأ ذلك من الاعتراف، ومن استعادة قيمة الأخلاق في تفاصيل الحياة اليومية، ومن ربط الإيمان بالعمل، والكلام بالفعل، والنية بالسلوك. فإحياء الضمير لا يكون بالخطب، بل بأن نعيد طرح الأسئلة على أنفسنا قبل أن نطرحها على الآخرين: ماذا أفعل؟ ولماذا أفعله؟ وهل أرضى أن يُمارس هذا السلوك معي؟
وفي زمن كثرت فيه المبررات، يبقى الضمير الحي هو آخر ما يربط الإنسان بإنسانيته. فإذا أردنا مجتمعًا أفضل، فعلينا أن نبدأ من هناك، من الضمير حين لا يشيخ، ومن الأخلاق حين تصبح سلوكًا يوميًا لا شعارًا مؤجلًا.
