بقلم : أحمد رشدى
لم تدخل التكنولوجيا حياتنا بوصفها خصمًا للعلاقات الإنسانية، بل جاءت في بدايتها جسرًا للتواصل، تختصر المسافات، وتقرّب البعيد، وتفتح آفاقًا جديدة للتعارف وتبادل الأفكار.
غير أن هذا الجسر، مع تسارع الإيقاع وهيمنة الشاشات، بدأ يتحول تدريجيًا إلى حاجز صامت، يفصل بين القلوب أكثر مما يصل بينها، ويعيد تشكيل مفهوم العلاقة الإنسانية على نحو يثير القلق والتأمل.
لقد تغيّر شكل اللقاء الإنساني، فحلّت الرسائل السريعة محل الجلسات الطويلة، وتراجعت لغة العيون لصالح الرموز المختصرة، وغابت حرارة الصوت خلف شاشات باردة.
ورغم وفرة وسائل الاتصال، بات كثيرون يشعرون بوحدة أشد، وعزلة أعمق، في مفارقة لافتة تؤكد أن كثرة التواصل لا تعني بالضرورة عمق العلاقة.
ويكفي أن نتأمل مشهدًا بات مألوفًا في كثير من البيوت؛ كيف يجلس كل فرد في غرفته، ممسكًا بهاتفه أو منغمسًا أمام جهازه الذكي، منشغلًا بعالمه الخاص، ونحن جميعًا تحت سقف واحد. نعيش في المنزل ذاته، لكننا لا نكاد نجتمع على مائدة واحدة، ولا نلتقي إلا مصادفة، كأن القرب المكاني لم يعد يعني شيئًا أمام البعد الإنساني.
وأين ذهبت المشاركة داخل الأسرة؟ وأين رعاية الوالدين، والسؤال عن احتياجاتهم، وقضاء حوائجهم، والجلوس معهم بلا استعجال؟ كثيرًا ما نؤجل هذه التفاصيل البسيطة، ظنًا منا أن الوقت لا يزال متسعًا، حتى نفاجأ بأنهم اختفوا من حياتنا، رحلوا أو غابوا، ولا يبقى لنا سوى الندم الثقيل على لحظات لم نعشها، وأوقات لم نقضها معهم، وكلمات كان يمكن أن تُقال ولم تُقل.
ولا تكمن خطورة هذا التحول في التكنولوجيا ذاتها، بل في طريقة استخدامها، حين تتحول من أداة تخدم الإنسان إلى مركز تدور حوله حياته اليومية.
فالانشغال الدائم بالشاشات، حتى في لحظات الاجتماع الأسري، أضعف قيمة الحضور الحقيقي، وجعل التفاعل الإنساني المباشر أمرًا ثانويًا، قابلًا للتأجيل أو التجاهل.
كما أسهمت المنصات الرقمية في إعادة تعريف الصداقة والعلاقات، حيث باتت تُقاس بعدد المتابعين وسرعة التفاعل، لا بعمق الفهم أو صدق المشاعر. وأفرز هذا الواقع علاقات هشة، سريعة التشكّل، سريعة الزوال، تفتقر إلى الصبر والالتزام، وتعجز عن الصمود أمام أول اختبار حقيقي.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو الهروب منها، بل في إعادة ضبط العلاقة معها، واستعادة التوازن بين العالم الرقمي والواقع الإنساني.
فالتكنولوجيا يجب أن تظل وسيلة للتقريب، لا بديلًا عن اللقاء، وأداة للتواصل، لا سببًا للقطيعة.
وفي عالم يتسارع فيه كل شيء، تبقى العلاقات الإنسانية هي المساحة الوحيدة التي تحتاج إلى التمهل، والإنصات، والحضور الكامل. وحين ننجح في استخدام التكنولوجيا دون أن نفقد دفء العلاقات، نكون قد أدركنا أن أغلى ما نملكه ليس الأجهزة التي بين أيدينا، بل البشر من حولنا.
