بقلم : أحمد رشدى
لم تكن القيم الإنسانية يومًا مجرد شعارات أخلاقية تُرفع في لحظات الخطابة، ولا عبارات إنشائية تُستدعى عند الأزمات، بل كانت على امتداد التاريخ الإنساني الأساس المتين الذي تُبنى عليه المجتمعات المستقرة، والسياج الذي يحميها من التفكك والانهيار.
فحيثما ترسخت القيم، وجد المجتمع طريقه نحو التوازن، وحين تآكلت، بدأ الخلل يتسلل إلى بنيانه دون ضجيج.
قديمًا، لم تكن الأخلاق تُعلَّم في كتب منفصلة، ولا تُلقَّن في دروس مباشرة، بل كانت تُبنى عبر منظومة متكاملة من العرف والعادات والتقاليد والأصول، يعززها وازع ديني محافظ، وبيئة اجتماعية منضبطة، وتعليم يقوم على القدوة قبل المعلومة، وأسرة تغرس في النفوس القيم والمبادئ منذ الصغر. في تلك المنظومة، كان الضمير الحي حاضرًا، لا يقبل الخطأ، ولا يبرره، ويقف حاجزًا داخليًا يمنع الانحراف قبل أن تفكر فيه القوانين.
وتشير تجارب الأمم، قديمها وحديثها، إلى أن الأزمات الكبرى لا تكشف فقط عن هشاشة البنى الاقتصادية أو ضعف الإمكانات، بل تفضح قبل ذلك تراجع المنظومة القيمية داخل المجتمع. فعندما تضعف قيمة العمل، ينتشر الاتكالية، وحين يتراجع احترام القانون، تسود الفوضى، وحين يغيب الضمير، تختل موازين العدل، ويصبح الخطأ أمرًا قابلًا للتبرير، لا استثناءً يستوجب المحاسبة.
ولا تنشأ القيم في فراغ، بل تتشكل عبر مسار طويل يبدأ من الأسرة، ويمتد إلى المدرسة، ويتعمق من خلال الثقافة والإعلام والفن. فالقيم لا تُغرس بالمواعظ وحدها، بل بالممارسة اليومية، وبالقدوة الصادقة، وبإحساس الفرد أن سلوكه جزء من صورة أكبر تمثل المجتمع كله. وحين تتراجع هذه الأدوار، أو تُؤدى على نحو شكلي، تفقد القيم قدرتها على الصمود أمام إغراءات العصر وسرعته.
ولعل أخطر ما يواجه القيم اليوم هو تآكلها الصامت، حين تُفرغ من مضمونها، وتتحول إلى كلمات مستهلكة تُردد دون أن تجد طريقها إلى السلوك العام. فالقيم الحقيقية لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما يُمارَس في الشارع، وفي مكان العمل، وفي التعامل مع الاختلاف، وفي احترام الحقوق والواجبات على السواء.
إن استعادة الاعتبار للقيم الإنسانية لا تعني العودة إلى الماضي أو الانغلاق أمام التطور، بل تعني إعادة بناء الإنسان من الداخل، وتوجيه التقدم ليكون في خدمة الإنسان لا على حسابه. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس فقط بما نمتلكه من أدوات وتقنيات، بل بما نمتلكه من وعي أخلاقي يضبط استخدامها ويمنحها معناها الإنساني.
وفي عالم سريع الإيقاع، متغير المعايير، تبقى القيم الإنسانية هي الثابت الأكثر قدرة على حفظ التوازن، وخط الدفاع الأول عن تماسك المجتمعات، لأنها تصنع إنسانًا يعرف حدوده، ويدرك مسؤوليته، ويؤمن بأن قوة المجتمع لا تُبنى بالضجيج، بل بالضمير الحي والعمل الصادق.
