بقلم : جمال حشاد
يُعدّ التواصل الاجتماعى؛ ض المباشر بين الآباء والأبناء من أهم الأسس التي تقوم عليها الأسرة السليمة والمجتمع المتماسك. فالعلاقة التي تجمع الوالدين بأبنائهم لا تقتصر على توفير الاحتياجات المادية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى بناء علاقة إنسانية قائمة على الحوار، والتفاهم، والمشاركة الوجدانية. ومع التطور التكنولوجي السريع وانتشار وسائل التواصل الحديثة، أصبح التواصل المباشر أقل حضورًا في كثير من الأسر، مما أدى إلى ظهور فجوات نفسية وتربوية بين الآباء والأبناء، وهو ما يجعل إعادة الاهتمام بهذا النوع من التواصل أمرًا بالغ الأهمية.
يسهم التواصل المباشر في تعزيز الثقة المتبادلة بين الآباء والأبناء. فعندما يشعر الابن أن والديه يستمعان إليه باهتمام، ويمنحانه الفرصة للتعبير عن آرائه ومشاعره دون خوف أو توبيخ، تنمو لديه الثقة بنفسه وبأسرته. هذه الثقة تدفعه إلى اللجوء إلى والديه عند مواجهة المشكلات أو اتخاذ القرارات المصيرية، بدلًا من البحث عن حلول قد تكون خاطئة من مصادر غير موثوقة. كما أن الحوار الصادق يخفف من حدة الصراعات الأسرية، ويقلل من سوء الفهم الذي قد ينشأ نتيجة غياب التواصل.
ومن الجوانب المهمة للتواصل المباشر دوره الكبير في التربية السليمة. فالآباء من خلال النقاش اليومي مع أبنائهم يستطيعون غرس القيم الأخلاقية، والمبادئ الدينية، والعادات الاجتماعية الصحيحة بشكل عملي ومؤثر. فالكلمة المباشرة والنقاش الهادئ يكونان أكثر تأثيرًا من الأوامر الجافة أو العقاب الصارم. كما أن متابعة سلوك الأبناء من خلال الحوار تُمكّن الوالدين من اكتشاف المشكلات السلوكية أو النفسية في مراحل مبكرة، مما يسهل علاجها قبل أن تتفاقم.
كذلك يلعب التواصل الاجتماعي المباشر دورًا أساسيًا في الدعم النفسي والعاطفي للأبناء. فمرحلة الطفولة والمراهقة على وجه الخصوص مليئة بالتغيرات والانفعالات والضغوط الدراسية والاجتماعية. وعندما يجد الابن من يحتضن مشاعره ويفهم مخاوفه ويشاركه أفراحه وأحزانه، يشعر بالأمان والاستقرار النفسي. هذا الدعم يقلل من احتمالية تعرض الأبناء للقلق أو الاكتئاب أو الانحراف السلوكي، ويمنحهم القدرة على مواجهة تحديات الحياة بثبات.
ولا يمكن إغفال أثر التواصل المباشر في تنمية مهارات الأبناء الاجتماعية. فالحوار داخل الأسرة يعلّم الأبناء كيفية التعبير عن آرائهم باحترام، والاستماع للآخرين، وتقبل الاختلاف، وحل المشكلات بأسلوب حضاري. هذه المهارات تنعكس إيجابًا على علاقاتهم خارج نطاق الأسرة، سواء في المدرسة أو المجتمع، وتجعلهم أكثر قدرة على بناء علاقات صحية ومتوازنة.
في المقابل، يؤدي ضعف التواصل المباشر بين الآباء والأبناء إلى العديد من المشكلات، مثل الشعور بالعزلة، والتمرد، والانغلاق، أو الانجذاب المفرط للعالم الافتراضي. فقد يحل الهاتف الذكي أو وسائل التواصل الاجتماعي محل الحوار الأسري، مما يخلق مسافة عاطفية بين أفراد الأسرة. ومع مرور الوقت، تتسع هذه الفجوة ويصبح من الصعب علاجها، لذلك فإن الوقاية تكون بتخصيص وقت يومي للحوار والجلوس مع الأبناء، مهما كانت مشاغل الحياة.
وفي الختام، يمكن القول إن التواصل الاجتماعي المباشر بين الآباء والأبناء ليس ترفًا، بل ضرورة تربوية ونفسية واجتماعية. فهو الأساس في بناء شخصية الأبناء، وتعزيز استقرار الأسرة، وحماية المجتمع من العديد من المشكلات. وعلى الآباء أن يدركوا أن دقائق من الحوار الصادق قد تصنع فرقًا كبيرًا في حياة أبنائهم، وأن الأسرة التي تتواصل بوعي ومحبة هي أسرة قادرة على مواجهة تحديات العصر بثقة وتماسك.
