بقلم : أحمد رشدي
لم يعد الضجيج مجرد أصوات مرتفعة في الشوارع أو ازدحامًا في المدن بل تحول إلى حالة عامة تسيطر على العقول وتربك الأفكار وتخلط بين الرأي والمعلومة وبين الانفعال والحقيقة وفي هذا المشهد المربك يتساءل كثيرون أين اختفى صوت الحكمة ولماذا بات هادئًا إلى حد يكاد لا يُسمع رغم أنه الأجدر بالإنصات،
يشير خبراء الإعلام والاتصال إلى أن سرعة تداول الأخبار ووسائل التواصل الحديثة صنعت بيئة خصبة للانفعال السريع والحكم المتعجل حيث تنتشر المعلومة قبل التحقق منها ويتصدر المشهد من يثير الجدل لا من يقدم الفهم ويؤكد هؤلاء أن غياب التريث حوّل النقاش العام من مساحة للتفكير إلى ساحة للتراشق اللفظي ،
وهو ما يضعف الثقة ويزيد الاستقطاب داخل المجتمع.
ويرى علماء الاجتماع أن المجتمعات تمر بدورات طبيعية من التوتر لكن الفارق الحقيقي يكمن في كيفية إدارتها فحين يغيب صوت الحكمة يحل محله التطرف في الرأي والتشدد في المواقف، بينما تؤكد التجارب الإنسانية أن المجتمعات التي حافظت على تماسكها هي تلك التي أعطت مساحة للعقلاء والخبراء وأهل الرأي المتزن ليقودوا الحوار لا أن يُدفعوا إلى الهامش.
ومن منظور علم النفس يوضح المختصون أن الإنسان تحت ضغط الضجيج المستمر يصبح أكثر قابلية للغضب وأقل استعدادًا للفهم ما يجعله يميل إلى تبني مواقف حادة دفاعًا عن ذاته لا عن الحقيقة ،
ويؤكدون أن الحكمة ليست ضعفًا ولا ترددًا بل قدرة على رؤية الصورة كاملة قبل إصدار الحكم وهي مهارة تحتاج إلى تدريب نفسي وثقافي طويل.
أما علماء الدين فيؤكدون أن الحكمة قيمة مركزية في بناء الإنسان والمجتمع وقد اقترنت في النصوص الدينية بالخير الكثير لأنها تضبط الانفعال وتهذب الكلمة وتمنع الظلم حتى في أوقات الخلاف ويشدد الشيوخ على أن الكلمة المتزنة قد تطفئ فتنة بينما كلمة طائشة قد تشعل صراعًا لا ينتهي.
ويجمع مفكرون على أن استعادة صوت الحكمة تبدأ من الفرد حين يراجع نفسه قبل أن يهاجم غيره ويتحقق قبل أن ينشر ويصغي قبل أن يحكم كما تبدأ من المؤسسات حين تعلي من قيمة الخبرة وتقدم أهل العلم والمعرفة في مواقع التأثير بدلًا من اللهاث خلف الإثارة السريعة
في زمن الضجيج تبقى الحكمة هي الصوت الأهدأ لكنها أيضًا الصوت الأصدق والأبقى وهي الملاذ الآمن لمجتمع يبحث عن الاستقرار دون أن يفقد حريته وعن التقدم دون أن يخسر إنسانيته.
في زمن الضجيج… لماذا نحتاج إلى صوت الحكمة أكثر من أي وقت مضى
526
المقالة السابقة
