بقلم : أحمد رشدى
كثيرون لا يعملون اليوم فيما يحبون، بل فيما فُرض عليهم بفعل الظروف، وضيق الفرص، وضغوط المعيشة.
يبدأ الإنسان مسيرته وهو يحمل حلمًا بمهنة يتمنى أن يبدع فيها، ثم يجد نفسه بعد سنوات حبيس وظيفة لم يخترها، يؤديها ببرود، لا كراهيةً لها بقدر ما هو افتقاد للشغف.
هنا لا يكون التعب جسديًا فقط، بل نفسيًا ومعنويًا، لأن الروح تعمل ضد رغبتها.
علم النفس يؤكد أن فقدان الشغف أحد أهم أسباب تراجع الأداء وانخفاض الرضا عن الحياة. فالإنسان حين يعمل في مهنة لا تشبهه، يستهلك طاقته في المقاومة لا في الإبداع، ويؤدي الحد الأدنى من الجهد، لا لأنه كسول، بل لأن الدافع الداخلي غائب. وتشير دراسات مهنية إلى أن حب العمل يرتبط ارتباطًا مباشرًا بارتفاع الإنتاجية، وجودة الأداء، والقدرة على التطوير والابتكار، بينما يؤدي العمل القسري طويل الأمد إلى القلق، والتوتر، والشعور بعدم القيمة.

وحين يغيب الشغف، تتأثر الحالة النفسية للإنسان، فيفقد الإحساس بالإنجاز، وتتراجع بهجته، ويقل رضاه عن نفسه.
وهذا الانطفاء لا يبقى حبيس الفرد، بل يمتد إلى أسرته، فينعكس فتورًا في التعامل، وقلة مشاركة، وضيقًا دائمًا، وقد ينتقل بدوره إلى بيئة العمل والمجتمع بأكمله. وعلى العكس، فإن الإنسان الذي يحب عمله يعود إلى بيته بطاقة إيجابية، ويغرس في محيطه الأمل، ويُشيع روح التفاؤل والرضا.
حب العمل ليس رفاهية، بل محرك أساسي للتقدم. المجتمعات التي يعمل أفرادها بشغف تتقدم بخطى ثابتة، لأن العامل المقتنع بما يفعل يسعى للتعلم، ويطوّر مهاراته، ويرفع سقف طموحه. أما المجتمعات التي يسود فيها العمل بلا روح، فتدور في حلقة من الجمود والتكرار، مهما توفرت الإمكانات.
ومن المنظور الديني، لم يُجبر الإنسان على احتقار ما يعمل به، بل دُعي إلى الإخلاص فيما يؤدي، والسعي لما يُصلح حاله ما استطاع. وقد جعل الإسلام العمل المتقن عبادة، وربط بينه وبين الرضا النفسي والبركة.
ومع ذلك، لم يغلق باب التغيير، بل حثّ على السعي، وبذل الجهد، وطلب الأفضل، ما دام في إطار مشروع وأخلاقي.

إن فقدان الشغف لا يعني نهاية الطريق، بل جرس إنذار. فإما أن يُعيد الإنسان اكتشاف المعنى في عمله، أو يسعى لتطوير نفسه والاقتراب من حلمه خطوة خطوة.
فحين يُحب الإنسان ما يعمل، تتسع آفاق طموحه، وتعلو تطلعاته، ويصبح النجاح نتيجة طبيعية لشغف صادق.
والعمل حين تُستعاد روحه، لا يمنح الفرد سعادة مؤقتة فحسب، بل يصنع أسرة متوازنة، ومجتمعًا منتجًا، ووطنًا أكثر قدرة على التقدم.
