عبد الحفيظ يونس
صرخة الفنان المصري، (محيي إسماعيل ) لم يكن الوحيدالذي أطلقا في وطننا العربي، ولم تكن وقاحة ولا خروجًا عن “الأدب”، بل كانت كسرًا فاضحًا لطقسٍ كاذب اسمه التكريم. في ثقافتنا العربية نُجيد التصفيق أكثر مما نُجيد الإنصاف، ونرفع الفنان على المنصة لنُسقطه مباشرة بعدها في العوز والنسيان. نُهديه درعًا زجاجيًا ونعتبر الأمر منتهيًا، وكأن الكرامة تُقاس بالصور التذكارية لا بالعيش الكريم.
المشكلة ليست في فنان قال “عايز فلوس”، حسب ما جاء في مقال الاستاذ..ــ زين الدين بومرزق ــ بل في منظومة تعتبر مطالبة المبدع بحقه المادي عيبًا، وتُقدّس الاستغلال تحت مسمى “الرسالة” و”الشغف”. الكاتب، الفنان، المسرحي، يُستدعى ليملأ قاعة، ليمنح القيمة والوهج والشرعية، ثم يُطلب منه أن يشكر المنظم لأنه أطعمه وجبة وأسكنه ليلة. أي إهانة أفظع من هذا؟
وفي الجزائر، لا يختلف المشهد كثيرًا، بل يتخذ أحيانًا طابعًا أكثر فجاجة. مؤسسات ثقافية عمومية، دور ثقافة، مكتبات، وجمعيات مدعومة من المال العام، تتعامل مع المبدع بمنطق “الضيف الشرفي المجاني”. يُستدعى الكاتب أو الفنان ليُجمّل النشاط ويمنحه غطاءً ثقافيًا، ثم يُغادر محمّلًا بالشكر فقط: لا عقد، لا أجر واضح، ولا اعتراف بوقته أو بتاريخه. والأسوأ أن هذا الاستغلال يُقدَّم له كامتياز، وكأنه مطالب بالامتنان لأنه سُمح له بالظهور.
تُصرف الميزانيات بسخاء على اللافتات، الإطعام، الفنادق، والتنقلات الإدارية، بينما يُختزل المبدع—وهو جوهر الفعل الثقافي—إلى تفصيل هامشي. وعندما يطالب بحقه، يُوصم بالجشع أو يُقصى بصمت. هكذا تُدار الثقافة في كثير من الأحيان: بلا تشريع يحمي الفنان، بلا بروتوكول يحدد الأجور، وبعقلية ترى في الإبداع هواية لا مهنة.
ما يحدث في المهرجانات والملتقيات ليس دعمًا للثقافة، بل استهلاكًا رخيصًا للمثقفين. تُستنزف طاقاتهم، وتُستهلك أسماؤهم، ثم نتساءل ببراءة مصطنعة: لماذا يهاجر المبدعون؟ لماذا يصمتون أو ينفجرون؟ ولماذا تأتي صرخاتهم متأخرة وغاضبة؟
التكريم بعد الموت، أو في آخر العمر، ليس فضيلة بل اعتراف متأخر بالذنب. أما الوقفات التأبينية، وإطلاق الأسماء على القاعات والمقاهي، فليست سوى تعويض رمزي عن تقصير فادح. الكرامة لا تُؤجَّل، والإبداع لا يعيش على التصفيق وحده.
صرخة محيي إسماعيل ليست استثناءً، بل مرآة. ومن يهاجمها، يهاجم حق المبدع في العيش لا في الرفاه. فالمبدع حين يطالب بحقه لا يتسوّل، بل يسترد ما سُرق منه باسم الثقافة. وما لم ننتقل من احتفالية التكريم إلى تشريع الحماية، ومن الخطاب إلى الأجرالواضح،فسيبقى كل حديث عن الابداع في وطننا العربي والجزائر نموذجا …..مجردنفاق ثقافي مُعٕلٓب
